#هلاتاكحديث_الجنود(٤-٥):

معاوية الشفيع

أعتذر اولاً عن إنقطاع السرد، وثانياً عن تغيير الترقيم، إذ يبدو أن الحبل قد افلت من يدي، واستطالت القصة..

–تعرف السجائر راقدة كده ليه؟؟ .
كان مهاجر أول من تحدث كاسراً حالة الصمت العميق بين ركاب الطائرة التي كنا نجلس فيها متجاورين. أجبته:
–لاحظت ذلك أيضاً، ليه؟؟
–عشان ما نمشي، “نخزِّن”.
–نخزِّن شنو يا وهم؟؟
–نخزِّن (قات)، انت ما عارف القات بمضغوهُ، وبعدداك بخزِّنوهُ، بين الأسنان و”الجضوم” ؟؟
–بالله؟ ما كنت عارف. لكن القات نحن نلقاهُ وين؟؟
–هدية من العدو، قال بجدعوهُ في مواقعنا عشان ننسطل وننخمل، ونكون ليهم صيد ساهل.
–انت-يا شقي الحال-بتجيب المعلومات دي من وين؟؟
–من قوقل، هههههه، في المطار “بتاعهم”ده، اتكلم معاي واحد، شكلو ضابط استخبارات، وقال لي أعملوا حسابكم من القات…
مرت الطائرة بمطب جوي مزعج، حتي ظننا أنها إرتطمت بجبل، لكن قائدها – وبسرعة ومهارة-سيطر عليها وأعادها لمسارها السلس.
بعد أكثر من ساعتين، أخذت الطائرة في الإنخفاض، نظرت من النافذة، فوجدتنا نطير، والكابتن يمر في مسارات متعرجة بين الجبال، كأنه يراوغها، يمر من بينها، ويخفض من سرعته في نفس الوقت، فلم اتمالك نفسي من الإعتراف له بالمهارة ورباطة الجأش.
أخيرأ هبطت الطائرة بين الجبال، ب(وادٍ غير ذي زرع)، ضيقٍ حَرِج، كما هو متوقع. بزر إلينا اناس-لا أدري من أين- يبدون ضخام الأجسام بسبب الدروع التي يلبسونها، وعلي رؤوسهم خوذات، كانوا يتحدثون بسرعة، قالوا كلامأ للقائد، كنا بدأنا بالنزول من الطائرة، لكن قائدنا أمرنا بالعودة إليها لإصدار اوامره، من داخلها، خلافاً لما نعرفه من تلقٍ ل(التعليمات) في طابور في الهواء. صعد من نزل منا وجلسنا في أماكننا يعترينا التوتر. قسمنا القائد لمجموعات، لكل قائدها، قال إن كل مجموعة ستذهب، -خلف أحد الرجال الذين إلتقاهم قبل قليل- إلي خندق مجهز(الحقيقة، إنها لم تكن خنادق، وإنما كهوف كبيرة في جوف الجبال)، علينا ان نضع أنفسنا تحت تصرف القيادات الموجودة في كل الخنادق، فهم يعرفون المنطقة وتحركات العدو، أكثر منا، ولديهم كل الخطط والتكتيكات، فما علينا سوي تنفيذ أوامرهم.
تذكرت ابيات لشاعر من منطقتنا كان عسكرياً،وعندما انتُدب للحرب في جنوب السودان، قال:
(قلنا:حاضر، ما بتنفع قولة:أبيت،
الساعة ديك انا للأولاد طِريت
ودخلت جوة الحمام، بكيت
وا شريري، انا، يا الخزين)
صرفت تفكيري سريعاً عن هذا الشاعر “الخِرتة”*…
فعلنا – تماماً- مثل ما أمرنا، ولأول مرة، سنحارب، عدواً لا نعرفه، تحت قيادة “صديقٍ” لا نعرفه، ايضاَ، بل ليس من بني جلدتنا..
نشرونا في الكهوف، كنت، ومهاجر في كهف واحد، وجدنا هناك، أشكال مختلفة من البشر، ليس بينهم من تدل سحنته علي، أنه من أهل (تلك البلاد)، فقط القائد، كان هنالك أفارقة، وسودانيون أيضاَ، لم نكن نعرف ذلك، حتي قال القائد:
-الإخوة السودانيين، أخوانكم، من جيشكم، جولكم، رحبوا بيهم واكرموهم.
تعرفنا بهم، ومناطقهم، لم يكونوا جنوداً في الجيش، إذ أننا الدفعة الأولي التي جئ بها إلي هذه الجبال الصحراوية، او الصحراء الجبلية، إذن فمن هم؟؟ الادهي ان بعضهم لم يكن يتكلم لغتنا او لهجاتنا،يتحدثون لغة لم اسمعها من قبل، قال لي مهاجر -فيما بعد-: إنهم يتحدثون الفرنسية.
عندما سالنا بعضهم، اعترفوا بأنهم لم يعملوا في الجيش، لكنهم قالوا بانهم يتبعون لقوات تابعة للجيش السوداني.
_________
* الخِرتة: كلمة يستخدمها عسكرنا، وصفاً للشخص الذي لا يتحمل المهام الشاقة ويختلق الأعذار او يتمارض للهروب منها

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.