
مواصلة التعليم بمناطق (تأسيس) إمتداد لتاريخ المقاومة ضد أونطة الجلابة
متوكل عثمان سلامات 9/6/2026م
“الجلابة هم مجموعة إجتماعية من (الأفروعرب) نشأت وتطورت منذ القرن الخامس عشر، وهم عناصر من التجار الأجانب والتجار المحليين بما في ذلك تجار العبيد. والذين أسسوا أنفسهم في مراكز تجارية أصبحت لاحقاً مراكز وبلدات حضرية مهمة مثل الدويم وأم درمان وسنار.. الخ. والجلابة في حقيقتهم خليط من الجنسيات/ القوميات الأفريقية المحلية، العرب المهاجرين، الأتراك، الأغاريق .. الخ، الذين تفاعلوا وتزاوجوا بشكل رئيسي في عملية تاريخية إمتدت منذ القرن الخامس عشر في شمال السودان. الجلابة، إذن، جزئياً أفارقة وسودانيون، ولكنهم إختاروا أن يعرفوا أنفسهم كعرب، بالرغم من أن بعضهم فاحم السواد. وبسبب قوة موقعهم الإقتصادي والإجتماعي ( مقارنة بالجماعات الأخرى) كان الجلابة أكثر تأهيلاً لوراثة سلطة الدولة عندما منح السودان إستقلاله في سنة 1956م. هذا بالإضافة لحقيقة أن الجلابة قد تمت تنميتهم ومساعدتهم بواسطة النظام الإستعماري، وتم إعدادهم بطريقة مباشرة وغير مباشرة لحيازة السلطة بلا منازع خلفاً للإستعمار المباشر. والجلابة بالتالي أقلية حاكمة صاحبة إمتيازات، وهذا يفسر لماذا يتبنون وجها العروبة ولإسلام السياسي ليتخندقوا ويحموا إمتيازاتهم الإقتصادية وموقعهم السياسي والإجتماعي في المجتمع السوداني لتتمحور مشكلة السودان بعد ذلك في هيمنة هذه الأقلية: الجلابة” – منفستو الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال.
في السابع من يونيو 2026م، حققت حكومة السلام الإنتقالية إنجازاً تاريخياً بإطلاق إمتحانات الشهادة السودانية لجميع الطلاب السودانيين في الوسط ودارفور وكردفان، وجنوب كردفان/ جبال النوبة في المناطق الواقعة تحت سيطرة تحالف السودان التأسيسي، بعد ثلاثة أعوام من الحرمان القسري الذي فرضته عصابة بورتسودان على آلاف الطلاب، في إنتهاك صارخ لحقهم الإنساني الأصيل في التعليم.
وقد كان هذا الحدث المهم بمثابة إعلاناً سياسياً وأخلاقياً بأن المعرفة يمكن أن تنتصر على الحروب، وأن القلم قادر على شق طريقه حتى وسط ركام المسيرات الإنتحارية والبنادق والدمار.
لقد كشفت هذه الخطوة في المقابل، عن نهج تاريخي لازم الحكومات السودانية المتعاقبة منذ خروج المستعمر، يقوم على تصدير الجهل إلى الهامش السوداني، وتجفيف منابع التعليم فيه، حتى يبقى سكانه وقوداً للحروب، وخزاناً للجندية الرخيصة، وفريسة سهلة للتضليل السياسي، بينما تنهب مواردهم وثرواتهم ويحرمون من أدوات الوعي التي تمكنهم من الدفاع عن حقوقهم.
وليس هذا النهج جديداً على السودان. فمنذ ثمانينيات القرن الماضي، مارست حكومة الخرطوم السياسات ذاتها في مناطق بحر الغزال وأعالي النيل وجبال النوبة والإستوائية والفونج، التي كانت تقع تحت سيطرة الحركة الشعبية لتحرير السودان. لكن الحركة الشعبية واجهت سياسة الحرمان بسياسة المقاومة، فصممت مناهجها الدراسية باللغة الإنجليزية، وأقامت المدارس تحت ظلال الأشجار، وداخل الكراكير والرواكيب، وكتب التلاميذ والمعلمين بالفحم على الصخور عندما غابت الطباشير والسبورات، لتؤكد أن الإرادة الإنسانية قادرة على صناعة المعرفة والفكر حتى في أقسى الظروف، ومازالت هذه المدارس مستمرة تقدم المعرفة في مناطق سيطرة الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال في إقليمي الفونج الجديد وجنوب كردفان/ جبال النوبة حتى الآن.
ومع تصاعد الحراك الثوري، التحق آلاف الشابات والشباب بصفوف الثورة هرباً من الظلم والتهميش والإضطهاد. وعندما وصلت دفعات منهم إلى معسكرات التدريب في الحدود السودانية الأثيوبية، أصدر القائد العام الدكتور/ جون قرنق دي مبيور توجيهاته بحصر كل من لا يزال في سن الدراسة في مواقع مختلفة “الجيش الأحمر”، تمهيداً لنقلهم إلى معسكرات اللاجئين في دول الجوار لإستكمال تعليمهم، إيماناً منه بأن بناء الإنسان لا يقل أهمية عن حمل السلاح.
وعندما أعترض بعض أولئك الشباب والشابات و”ركبو رأس” وأصروا على البقاء في ميادين القتال مع رفاقهم تحقيقاً لآهداف الثورة ومبادئها ودفاعاً عن الشعوب المهمشة، ذهب إليهم الدكتور/ جون قرنق بنفسه في معسكر “ديمو” وخاطب أكثر من خمسمائة من أفراد الجيش الأحمر، ومن سخرية الأقدار كان الرفيق الأستاذ/ كوكو محمد جقدول بادي وزير التربية والتعليم العام بحكومة السلام الإنتقالية الحالي حضوراً في تلك اللحظة التاريخية ونقل للأجيال اللاحقة تفاصيل تلك المحاضرة، فخاطبهم قرنق بكلمات أصبحت جزءاً من الذاكرة الثورية السودانية، حين رفع قلمه قائلاً: “إذا ما عندك ده، الجلابة باكلوا حقك بالأونطة”، ثم رفع سلاحه وأضاف: “وإذا ما عندك ده، الجلابة باكلوا حقك بالقوة”.
في تلك اللحظة لخص قرنق فلسفة التحرر بأكملها، فلا يكفي السلاح وحده لحماية الحقوق، كما لا يكفي التعليم وحده إذا كان الشعوب عاجزة عن الدفاع عن وجودها. إن القلم والبندقية في مشروع التحرر، ليسا نقيضين، وإنما جناحان لمعركة واحدة ضد القهر والإستغلال والإستبداد السياسي المحمي بالسلاح.
وقد ذهب هؤلاء الشباب والشابات وواصلوا تعليمهم ومن ثم عادوا لمواصلة النضال في كافة ميادين الكفاح المسلح العسكرية والسياسية والفكرية والخدمية.
ولهذا، فإن ما شهدته مدينة نيالا بإقامة إمتحانات الشهادة السودانية لم يكن حدثاً معزولاً، وإنما هو إمتداد طبيعي لذلك التاريخ الثوري الذي جعل من التعليم أحد أعمدة النضال الوطني لدى المهمشين، وأحد أهم أدوات مقاومة التهميش والإستعلاء العرقي والديني والثقافي.
إن الشعوب الثائرة التي تفتح مدرسة وهي تقاتل دفاعاً عن نفسها وتحقيقاً لمبادئها، وتوفر إمتحاناً وهي تواجه حروب وعنف الإستعمار الداخلي وإستبداده، إنما تؤسس لمستقبل مختلف، وتعلن أن بناء الإنسان هو أعظم إنتصار يمكن أن تحققه الشعوب في معركتها الطويلة من أجل الحرية والعدالة والمساواة والكرامة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.