في الرد على د. محمد عبد الله الريح : عندما تزيف الحقائق وتُشوَّه الوقائع

عادل شالوكا

 

 

مررنا على مقال كتبه د. محمد عبد الله الريح فيه حقائق مهمة، وكثير من المغالطات والأكاذيب المضللة، ولذلك رأينا ضرورة الرد على ما ذهب إليه في مقاله المثير. وفي القضايا الوطنية الكبرى، لا يكفي إطلاق الأحكام أو ترديد الروايات التي تفتقر إلى السند التاريخي. فالتاريخ السوداني، بما يحمله من مآسٍ وتحولات، يستحق أن يُقرأ بعين الباحث لا بعين الخصومة السياسية. ومن هذا المنطلق، أجد أن ما أورده الدكتور محمد عبد الله الريح بشأن دور مصر في الحرب الأهلية السودانية وانفصال الجنوب وأزمة دارفور يحتاج إلى تصويب، لأن الوقائع التاريخية تقول غير ذلك.

أولاً: لم تدعم مصر جون قرنق بالسلاح. فلقد ادعى د. محمد عبد الله الريح أن مصر دعمت الحركة الشعبية بقيادة د. جون قرنق بالسلاح، وهذه رواية لم تسندها أي وثائق أو أدلة. صحيح أن القاهرة سمحت للحركة الشعبية بفتح مكتب سياسي، كما استضافت لقاءات بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية، وحاولت لعب دور في تقريب وجهات النظر خلال سنوات التفاوض. لكن فتح مكتب سياسي لا يعني دعماً عسكرياً، فهناك فرق واضح بين الاعتراف السياسي والتسليح. وفي المقابل، كانت العلاقات العسكرية بين مصر والحكومة السودانية قائمة منذ عقود. فقد استمر التعاون العسكري في عهد الرئيس جعفر نميري (إتفاقية الدفاع المشترك بين مصر والسودان)، ثم استؤنف مع حكومة الإنقاذ بعد فترات التوتر، وشمل التدريب والتنسيق الأمني والمساعدات العسكرية. وحتى في السنوات الأخيرة ظلت القاهرة تنظر إلى الجيش السوداني باعتباره المؤسسة التي تحفظ استقرار الدولة السودانية، ولا يخفى على أحد تورط مصر في الحرب الحالية ودعمها لسلطة بورتسودان بالسلاح والعتاد وأحيانا تنطلق الطائرات المسيرة من الأراضي المصرية وقد وصل الدعم حد مشاركة الجنود المصريين عسكريا مثال “مطار مروي” و”جبل موية” في ولاية سنار وغيرها. ولو كانت مصر قد سلحت جون قرنق فعلاً، لظهرت وثائق أو شهادات تؤكد ذلك، خاصة وأن كثيراً من الوثائق الأمريكية والبريطانية المتعلقة بالحرب الأهلية أصبحت متاحة للباحثين، لكنها لا تشير إلى دور مصري في تسليح الحركة الشعبية.

ثانياً: من فصل جنوب السودان؟.

هذه أكثر النقاط التي تحتاج إلى مراجعة. فجنوب السودان لم يفصله المصريون، وإنما انفصل نتيجة مسار سياسي وقانوني وافقت عليه حكومة الإنقاذ نفسها. ففي عام 2005 وقعت حكومة البشير مع الحركة الشعبية اتفاقية السلام الشامل، التي نصت صراحة على منح جنوب السودان حق تقرير المصير بعد فترة انتقالية مدتها ست سنوات.
وفي يناير 2011 جرى الاستفتاء، وصوتت الأغلبية الساحقة من أبناء الجنوب لصالح الانفصال، ثم أعلن قيام دولة جنوب السودان في 9 يوليو 2011، واعترفت بها حكومة السودان فور إعلانها.
والسؤال المنطقي هو: لو كانت مصر هي التي فصلت الجنوب، فلماذا وقع نظام الإنقاذ على اتفاقية تمنح حق تقرير المصير؟ ولماذا اعترف بالدولة الجديدة فور إعلان استقلالها؟ إن المسؤولية السياسية تقع أولاً على الإسلاميين الذين حكموا السودان ثلاثين عاما، لفشلهم في جعل الوحدة خياراً جاذباً كما نصت عليه اتفاقية السلام، لأنهم أصلا لا يريدون الوحدة.
وقد قال الدكتور حسن الترابي، بعد المفاصلة مع نظام البشير، إن سياسات الإنقاذ كانت سبباً في تمزيق السودان، كما اعترف عدد من قيادات الحركة الإسلامية بأن إدارة الحرب والخلافات السياسية أوصلت البلاد إلى الانفصال. بل إن النائب الأول الأسبق علي عثمان محمد طه، الذي وقع اتفاقية السلام الشامل، كان يدرك أن الاتفاق يتضمن حق تقرير المصير، ومع ذلك مضى فيه باعتباره خيارا يوقف الحرب التي إستنزفت البلاد ودمرت الإقتصاد.

أما من الناحية الآيديولوجية، فقد كان إصرار نظام الإنقاذ على مشروع الدولة الإسلامية وتطبيق الشريعة – بصورة لم تحقق توافقاً وطنياً – أحد أهم الأسباب التي دفعت قطاعاً واسعاً من الجنوبيين إلى فقدان الثقة في مشروع الوحدة، فالإسلاميين فضلوا الشريعة الإسلامية على وحدة السودان، فكان الإنفصال.

ثالثاً: مصر وحركات دارفور:

ومن المغالطات أيضاً القول إن مصر دعمت حركات دارفور المسلحة. فالسياسة المصرية منذ اندلاع النزاع في دارفور عام 2003 كانت واضحة: وهي دعم الحكومة المركزية في الخرطوم. ولم يعرف عن مصر أنها سلحت حركة تحرير السودان أو حركة العدل والمساواة أو أي فصيل مسلح في دارفور. بل كانت القاهرة، في كثير من المحافل الإقليمية والدولية، تدافع عن بقاء الدولة السودانية وترفض أي سيناريو يؤدي إلى تقسيمها وذلك للمصالح الإستراتيجية المعلومة. وحتى بعد اندلاع الحرب الحالية في السودان عام 2023، ظل الموقف المصري داعماً لمؤسسات الدولة السودانية، وفي مقدمتها القوات المسلحة السودانية.

رابعاً: الوقائع أهم من الاتهامات
إن من السهل إلقاء اللوم على الآخرين، لكن من الصعب مواجهة الحقائق؛

فالذي وقع اتفاقية تقرير المصير هو نظام الإنقاذ.

والذي خاض حرباً استمرت أكثر من عشرين عاماً هو نظام الإنقاذ.

والذي جعل مشروع الوحدة يفقد جاذبيته بسياسات الإقصاء والاستقطاب هو نظام الإنقاذ.

أما مصر – التي تحكمت، ولا زالت تتحكم في مصير السودان وسيادته – فإن مواقفها على مر التاريخ كانت مضرة وسلبية تجاه السودان لدرجة ان السودانيين حتى في كرة القدم يشجعون الفريق الذي يلعب ضد مصر، ولكنها لم تكن هي التي اتخذت القرارات السيادية التي قادت إلى انفصال الجنوب، ولم تكن الدولة التي سلحت الحركة الشعبية أو دعمت حركات دارفور.

أخيرا:
إن نقد السياسات المصرية حق مشروع، كما أن انتقاد أي دولة أمر طبيعي في العمل السياسي. لكن تحويل التاريخ إلى روايات لا تسندها الأدلة يضر بالحقيقة أكثر مما يخدم أي قضية، ومثل هذه الكتابات تشير إلى وجود أجندة معادية ونوايا تضليلية. فالتاريخ لا يُكتب بالرغبات، وإنما بالوثائق والشهادات والوقائع.

لقد خسر السودان ثلث مساحته وجزءاً عزيزاً من شعبه عندما انفصل الجنوب، وهذه الخسارة كانت نتيجة تراكمات سياسية طويلة، كان النصيب الأكبر من مسؤوليتها على عاتق النخب السياسية والأنظمة المتعاقبة وعلى رأسها نظام الإنقاذ الذي حكم البلاد، لا على عاتق دولة أخرى. ولذلك، فإن احترام ذاكرة السودانيين يقتضي أن نناقش التاريخ بعقل الباحث، لا بمنطق الاتهام، وأن نلتزم بالحقائق مهما خالفت النوايا والتوجهات.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.