
دكتور محمد عبد الله الريح… ودسُّ السم في العسل
خالد كودي، بوسطن 5/7/2026
د. محمد عبد الله الريح… الحقيقة التي قالها… والأكاذيب التي مرّرها
في خضم السجالات المتكررة بين السودانيين والمصريين على منصات التواصل الاجتماعي، تداول كثير من السودانيين مقالاً للدكتور محمد عبد الله الريح بوصفه مادةً يمكن الاستناد إليها في الرد على الادعاءات المتكررة التي يروج لها بعض الإعلاميين والناشطين المصريين حول تاريخ العلاقة بين البلدين، وخاصة الادعاء بأن السودان كان مجرد جزء من مصر. وقد تضمن المقال بالفعل عدداً من الحقائق التاريخية المهمة، خاصة فيما يتعلق بطبيعة الحكم الثنائي (الإنجليزي–المصري)، وهيمنة الإدارة البريطانية على السودان بين عامي 1899 و1955، وهي حقائق تستحق التذكير بها لأنها تكشف جانباً من التعقيد التاريخي الذي كثيراً ما يُختزل في سرديات سياسية وإعلامية مبسطة.
غير أن المشكلة لا تكمن فيما أورده الكاتب من حقائق، وإنما في الطريقة التي أُقحمت بها، وسط هذه الحقائق، ادعاءات سياسية وتاريخية لا تستند إلى الوقائع، بل تعيد إنتاج روايات ظلت تُستخدم لعقود في تشويه الحركة الشعبية لتحرير السودان ومشروع السودان الجديد. فهذه الادعاءات تأتي في سياق لا علاقة له بموضوع المقال الأصلي، لكنها تُمرَّر بين معلومات صحيحة، بما يجعل القارئ غير المدقق يتعامل معها باعتبارها حقائق تاريخية ثابتة.
ولهذا، فإن من الواجب التمييز بين الحقائق التي تستحق أن تُستخدم في مواجهة السرديات المضللة حول تاريخ السودان، وبين الادعاءات التي لا تقل تضليلاً عن تلك السرديات نفسها. ومن هذا المنطلق، يركز هذا المقال على تصحيح ثلاث مغالطات رئيسية وردت في مقال الدكتور محمد عبد الله الريح، لأنها لا تسيء إلى الحركة الشعبية فحسب، بل تسيء أيضاً إلى كتابة التاريخ السوداني على أسس موضوعية.
١/ الادعاء بأن مصر دعمت الدكتور جون قرنق والحركة الشعبية بالسلاح. وهذا غير صحيح تاريخياً. فقد فتحت مصر مكتباً للحركة الشعبية في إطار تواصل سياسي معروف، لكنها لم تكن دولة داعمة لها عسكرياً. بل على العكس، ظلت السياسة المصرية، في معظم مراحل الحرب، منحازة إلى الحكومات المركزية في الخرطوم، وقدمت لها أشكالاً متعددة من الدعم السياسي والعسكري والأمني، انطلاقاً من رؤيتها لوحدة السودان باعتبارها مرتبطة بأمنها القومي ومياه النيل.
٢/ الادعاء بأن مصر كانت صاحبة الدور الأكبر في انفصال جنوب السودان. وهذه قراءة تقفز فوق السبب الحقيقي للانفصال. فالذي قاد إلى انفصال الجنوب لم يكن موقف مصر، وإنما السياسات التي انتهجها نظام الإنقاذ بقيادة عمر البشير، عندما جعل الحفاظ على المشروع الإسلامي وتطبيق الشريعة أولوية تتقدم على الحفاظ على وحدة البلاد. لقد منح اتفاق السلام الشامل الجنوبيين حق تقرير المصير، لكن خيار الانفصال جاء نتيجة عقود من الحرب، والإقصاء، ورفض بناء دولة تقوم على المواطنة المتساوية.
٣/ الادعاء بأن مصر دعمت حركات دارفور. وهذا أيضاً يفتقر إلى السند التاريخي. فمنذ اندلاع أزمة دارفور، كان الموقف المصري أقرب إلى دعم الحكومات المتعاقبة في الخرطوم، والدفاع عن الدولة المركزية، ورفض أي ترتيبات يمكن أن تؤدي إلى إعادة هيكلة الدولة السودانية أو تقوية الحركات المسلحة. وحتى اليوم، لا تزال القاهرة تنظر إلى المؤسسة العسكرية في الخرطوم باعتبارها شريكها الاستراتيجي الأساسي.
لماذا تُستهدف الحركة الشعبية دائماً؟
السؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا يشعر بعض المثقفين السودانيين بالحاجة إلى إلصاق كل أزمة تاريخية بالحركة الشعبية، حتى عندما تكون الوقائع التاريخية تناقض ذلك؟
الإجابة لا تتعلق بالحركة الشعبية وحدها، وإنما بالمشروع الذي حملته منذ تأسيسها.
لقد كانت الحركة الشعبية أول قوة سياسية سودانية تطرح بصورة متماسكة مشروعاً لإعادة تأسيس الدولة، لا مجرد تغيير الحكومات. بينما انشغلت معظم القوى السياسية التقليدية بالصراع على السلطة داخل الدولة القائمة، طرحت الحركة سؤالاً أكثر عمقاً: لماذا فشلت الدولة السودانية أصلاً؟
ومن هنا جاءت أفكار السودان الجديد: دولة المواطنة، وفصل الدين عن الدولة، والاعتراف بالتعدد القومي والثقافي، واللامركزية، والعدالة في توزيع السلطة والثروة، وإعادة تعريف الهوية الوطنية على أساس الانتماء للوطن لا للعرق أو الدين.
هذه الأفكار هزّت الأسس الفكرية التي قامت عليها دولة ما بعد الاستقلال، ولذلك لم تواجه بالنقاش الفكري وحده، وإنما أيضاً بحملات تشويه مستمرة.
صناعة “العدو الدائم”
منذ ثمانينيات القرن الماضي، تعرضت الحركة الشعبية لحملة دعائية ضخمة، صورتها باعتبارها مشروعاً انفصالياً، وعدواً للإسلام والعروبة، وذراعاً لدول أجنبية، ومؤامرة على السودان…. الخ…
واللافت أن كثيراً من هذه الاتهامات استمرت حتى بعد أن أثبتت الوثائق والوقائع التاريخية عدم صحتها.
فعندما قاتلت الحركة من أجل سودان موحد على أساس المواطنة، وُصفت بأنها انفصالية. وعندما طالبت بدولة علمانية، صُورت كأنها تعادي الدين، بينما كانت تطالب فقط بحياد الدولة تجاه جميع الأديان.
وعندما طالبت بحقوق المهمشين، اتُّهمت بأنها تنفذ أجندات خارجية!
وأصبح من السهل تحميلها مسؤولية كل ما جرى في السودان، حتى الأحداث التي كانت الحكومات المركزية هي الطرف الرئيسي فيها.
من فصل جنوب السودان؟
إذا كان لا بد من البحث عن المسؤولية التاريخية، فإن الوقائع واضحة.
لقد منح اتفاق السلام الشامل شعب جنوب السودان حق تقرير المصير باعتباره مخرجاً من أطول حرب أهلية في إفريقيا. لكن الاتفاق نفسه كان يفتح الباب أمام خيار الوحدة، بشرط أن تصبح الوحدة خياراً جاذباً.
وهنا وقع الفشل الحقيقي.
لم يعمل نظام الإنقاذ على جعل الوحدة جاذبة، بل واصل سياسات الإقصاء، وقدم مشروع الدولة الإسلامية على مشروع الدولة الوطنية، وكالعدة ، كانت النخب غير مبالية وسلبية. وبذلك أصبح الانفصال النتيجة المنطقية لأزمة تراكمت لعقود، وليس مؤامرة نسجتها الحركة الشعبية أو أي دولة أخرى.
بين النقد والتزوير
من حق أي باحث أن ينتقد الحركة الشعبية، كما من حقه أن يختلف مع مشروع السودان الجديد، لكن النقد يفقد قيمته عندما يقوم على وقائع ملفقة.
فالكتابة المسؤولة لا تقوم على انتقاء الحقائق التي تخدم موقفاً سياسياً، وإخفاء ما يناقضه، ولا على إدخال ادعاءات غير موثقة وسط معلومات صحيحة حتى تبدو جميعها صحيحة. وهذه هي الطريقة التي يتحول بها الخطاب السياسي إلى أداة لإعادة إنتاج الصور النمطية، بدلاً من أن يكون وسيلة لفهم التاريخ.
إن السودان اليوم بحاجة إلى مراجعة نقدية شاملة لكل تجاربه السياسية. وهذه المراجعة يجب أن تقوم على الوثائق والحقائق، لا على روايات تشكلت في أجواء الاستقطاب والدعاية.
فالحقائق التاريخية لا تصبح أكثر صدقاً لأنها تتكرر، ولا تتحول الأكاذيب إلى حقائق لأنها أُلحقت بمقال يحتوي على معلومات صحيحة. وما يحتاجه السودان ليس المزيد من إعادة إنتاج سرديات التخوين، وإنما شجاعة الاعتراف بمسؤوليات كل الأطراف، وفي مقدمتها النخب التي أدارت الدولة منذ الاستقلال، وأسهمت بسياساتها في إنتاج الحروب والانقسامات، قبل أن تبحث عن شماعة تعلق عليها إخفاقاتها.
النضال مستمر والنصر اكيد.
(أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.