
حين تتكلم آلاء عبدالله عن قضية هيمنة الثقافية من قصر غردون؛
✍️ N̰âgû Sasaborno N̰âgû Jammba(Habo)
كتبت الصديقة آلاء عبد الله مقالًا بعنوان: (مغالطات وأساليب يستخدمها مناصرو الهيمنة الثقافية في السودان لتغبيش الوعي عن قضايا التهميش والعنصرية في السودان – منشور قد يهمك – إعادة نشره).
نشرت مقالها بالعنوان أعلاه في صفحتها على فيسبوك:
(https://www.facebook.com/share/p/1JwURjNgE)
بتاريخ 19 يوليو 2026م، والذي تضمن إيراد عدد من المغالطات، حسب ظنها، يستخدمها الجماعات المهيمنة في السودان لمناصرة هيمنتها. وذكرت عددًا من المغالطات، منها: مغالطة الخيال أو مغالطة رجل القش، التوسل بالوسط، التشكيك من خلال صعوبة الفهم، المغالطة البيئية، التوسل بالمرجعية، مغالطة التكافؤ الكاذب… إلخ.
في مقالنا هذا نركز محورنا الأساسي على اكتشاف المغالطة المنطقية وعدم الاتساق الفكري والمعرفي للكاتبة نفسها في المقال، وهي تستخدمها كجزء من حيل الدفاع عن الدولة المختلة، من خلال المعارضة الصورية والجماعات المهيمنة بأشكالها المختلفة، والأكاديميين من اليمين إلى اليسار، في اللحظات الحاسمة لتفكيك الدولة المهيمنة.
وسنبدأ أولًا بتعريف المنطق، والمغالطات المنطقية، واللغة، في سياق قدرتها على تمرير مصالح الجماعات المهيمنة تحت لافتات عدة، من ضمنها بروباغندا حماية الدولة الوطنية في السودان، والكاتبة هي جزء منها.
المنطق (Logic) هو علم يبحث في القواعد العامة للتفكير الصحيح، أي دراسة مبادئ صحة البرهنة والاستنتاج، وهو فرع من فروع الفلسفة. وينقسم إلى أربعة أقسام رئيسية: المنطق غير الشكلي، والمنطق الشكلي، والمنطق الرمزي، والمنطق الرياضي (ص 7).
والمقولة غير المنطقية (لا بمعنى أنها خاطئة، وإنما بمعنى أنها تخرج عن دائرة التصنيف) هي تلك الجملة التي لا تحتمل أن تكون صوابًا أو خطأً.
فالقيمة الحقيقية للجملة إما أن تكون صحيحة أو غير صحيحة، وليس هناك مجال لأن تكون صحيحة وخاطئة في الوقت نفسه، وفي السياق نفسه.
أما المغالطات المنطقية (Logical Fallacies) فهي القدرة على تحديد المغالطات المنطقية في حجج الآخرين، وتجنب المرء نفسه الوقوع فيها. والمغالطات المنطقية تمنعنا من معرفة الحقيقة، وتحد من قدرتنا على التفكير النقدي السليم، مما يجعلنا عرضة للتلاعب من قبل أصحاب المهارات الخطابية.
وتستخدم الجماعات المهيمنة عملية الدفاع عن وضعيتها المختلة بقدرة ومهارة في التعبير عن مصالحها الخاصة على أساس أنها مصالح عامة، مثل القول: (ضرورة المحافظة على نظامية الدولة حتى لا نصبح مثل سوريا أو ليبيا أو الصومال، وأن الدولة الوطنية…).
لذا فإن المغالطة المنطقية هي خطأ في التبرير، أو في أجزاء عملية البرهنة المنطقية، أو قصور في المقدمات يؤدي إلى استخلاص نتائج لا ترقى إليها تلك المقدمات.
واللغة، في إطار أشكالها ووظائفها، تعبر عن أفكار مكتملة، عادةً توضع ضمن أربعة أصناف: نحوية، وصرفية، وتصريحية، واستفهامية، وتعجبية. وعندما تخدم اللغة أكثر من وظيفة، فالواجب تقييمها والتأكد من مدى صحة خطابها، وما إذا كانت تخدم الخطاب والوظيفة لجهة ما على أساس اعتبارات مناسبة أو غير مناسبة.
حسنًا، بعد إيراد التعريفات أعلاه، دعونا نمضي إلى الأمام ونكتشف ما هي المغالطات المنطقية التي وقعت فيها الكاتبة آلاء.
ذكرت الكاتبة في مقدمة المقال: “مغالطات وأساليب يستخدمها مناصرو الهيمنة الثقافية في السودان لتغبيش الوعي عن قضايا التهميش والعنصرية في السودان – منشور قد يهمك – إعادة نشر.”
فالمغالطة المنطقية للكاتبة تبدأ هنا، في عنوان المقال؛ لأنها وضعت المركز في موقع الضحية، بينما جعلت المهمشين في وضعية المضطهد.
فالسؤال الذي يحتاج إلى تبيان هو: هل يتسق ما يقوم به المركز دفاعًا عن الدولة القديمة مع وصفه بالمناصرة من حيث الاستخدام السياسي واللغوي في حلبة التغيير؟ أم أن قضية المناصرة ارتبط سياقها اللغوي والسياسي والوظيفي بالجماعات المهمشة؟
نحن نتفق على أن كلمة المناصرة هنا لا تتوافق مع ممارسات الدولة القديمة؛ فالمناصرة، في الفعل السياسي، ترتبط بالضحايا، وما يقوم به المركز أحرى أن يسمى تكتيكات وأدوات أصحاب الامتيازات التاريخية لحماية امتيازاتهم التاريخية. فالكاتبة استخدمت الكلمة هنا بشكل مبتور، والنتائج لا تتوافق مع المقدمة.
فلنبدأ إذًا بتعريف المناصرة. تتفق التعريفات حول المناصرة بأنها فعل يتم عبر التحدث أو الكتابة أو العمل لدعم قضية أو سياسة أو فرد معين. فهي عنصر من آليات الديمقراطية، حيث تتيح الفرصة لأولئك الذين قد تم تهميشهم أو إقصاؤهم، وتأخذ أشكالًا متعددة، وتتبناها جهات عدة ترتبط مصلحتها بعملية التغيير. فإن الهدف المرجو من المناصرة هو إحداث تغييرات إيجابية في الفضاءين العام والخاص.
وهو مصطلح حديث في الفعل السياسي والاجتماعي بمعناه المتعارف عليه حاليًا، وقد وُلد من داخل الفضاء السياسي والمدني كجزء من عمليات التشبيك وخلق كتلة ضغط.
هكذا وقعت الكاتبة في مغالطة منطقية في بداية مقالها بقولها: “مغالطات وأساليب يستخدمها مناصرو الهيمنة الثقافية…”، وانتهت بها البرهنة إلى نتائج لا تتوافق مع المقدمة.
فالهامش، في محضر الاستجواب، والمركز المهيمن الذي يناصر هيمنته، والكاتبة التي توعظ عن الهيمنة الثقافية من برج قصر غردون وبيت الجاك؛ فلا يمكن للمرء أن يدافع عن الدولة المزعومة باسم الوطنية، وهي نفسها الجماعة المهيمنة التي تنتقدها الكاتبة.
فقد وقعت الكاتبة عمدًا في مغالطة الالتباس، وهي مغالطة كثيرًا ما يتبدل فيها معنى الكلمات أو التعبيرات أثناء الحديث أو في مساق الحجة، فيحمل اللفظ معنى في المقدمات، ويحمل معنى مختلفًا بطبيعة الحال في النتائج.
وهكذا وضعت الكاتبة الجماعة المهيمنة في موقف المناصرة، والهامش في وضعية المهيمن، لأن اللغة أصبحت هنا لها وظيفتها وفعلها. فهي، بلا قصد، حين تقول إن المركز يناصر حقه في الهيمنة الثقافية، تضعه في دائرة الضحية بحكم اللغة والمغالطة المنطقية، مما يعطيه مشروعية لفعله.
وهل الكاتبة واعية بذلك، أم أنها أرادت أن تخدم، من خلال Fallacies of Ambiguity، أجندة الهيمنة الثقافية نفسها التي تدافع عنها تحت راية أوهام المحافظة على نظامية الدولة؟
أما المغالطة المنطقية الثانية التي ارتكبتها الكاتبة في مقالها هذا، وبالإضافة إلى عدة منشورات في صفحتها على فيسبوك تهاجم فيها الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال، فهي مغالطة السبب الزائف (أخذ ما ليس بعلة علة).
ففي هذا النوع من المغالطات تقوم المحاججة على التأثير في المستمع بمعلومات، وإن كانت حقيقية ومقنعة، إلا أنها لا صلة لها بالقضية محل النقاش.
فما أوردته الكاتبة من مغالطات صحيح، وهو ما يواجهه الهامش من جماعة الهيمنة الثقافية بوضعية المهيمن، والهامش بوضعية المهيمن عليه. والكاتبة تقف، في الممارسة والدعم السياسي، في صف جماعة الهيمنة الثقافية، وحال المهمشين التي قامت بذكرها هي حال الجماعة المهيمنة التي تدافع عنها باسم الدولة الوطنية. فيا ترى، ما قيمة مثل هذه الكتابة؟
أخيرًا، تندرج آلاء نفسها ضمن مستخدمي مغالطة التلويح بالعلم والتذرع بالوطنية (Flag Waving Appeal to Patriotism) في خطابها السياسي في حزب مؤتمر كوش (يمكنكم الرجوع إلى البيانات الرسمية لحزب كوش في موقعه الرسمي وصفحته على فيسبوك).
وهي مغالطة يلجأ فيها المتحدث إلى المشاعر القومية أو الوطنية ليدعم بها حجته أو موقفه، أو ليقوض موقفًا آخر باعتباره منافيًا للوطنية أو القومية.
ولذا كثيرًا ما نسمع من آلاء وصديقتها في حزب مؤتمر كوش أنهما تقفان مع نظامية الدولة، وتدافعان عن الدولة الوطنية رفضًا لتسييل الدولة من قبل الميليشيات التي صنعتها الدولة التي يتزعمان الدفاع عنها، ورفضًا لتسييلها، مما يكشف حجم الاختلال المعرفي والمغالطات المنطقية.
فالدولة الوطنية، في سياق نشأتها في الغرب، ارتبطت بصلح ويستفاليا عام 1648م، لتنهي عهد الإمبراطوريات الدينية الكبرى، وتؤسس لنظام علماني ومبدأ سيادة الدول على أراضيها.
وهي ظاهرة تاريخية وثقافية واجتماعية تستمد شرعيتها من تمثيل الأمة أو الشعب، وتقوم على مبدأ المواطنة.
فإذا كان هذا هو تعريف الدولة الوطنية، فهل دولة الجماعة المهيمنة في بورتسودان هي الدولة الوطنية التي يُطلب الدفاع عنها؟
وكيف نوصف ما يدافعون عنه وهم يرتدون قناع التهميش؟
إنها مغالطة الالتباس، والتذرع بالوطنية للدفاع عن الدولة المهيمنة، بوعي أو دون وعي.
وفي الختام، يجب أن تعلم آلاء وآخرون أن مجرد كشف مغالطات خطاب جماعة الهيمنة الثقافية لا يجدي نفعًا. وكما قال كارل ماركس وإنجلز عام 1845م: “لقد اكتفى الفلاسفة بتفسير العالم بأشكال مختلفة، ولكن المهمة هي تغييره.”
فلا يمكن أن تجلس في قصر غردون وتكتب قصائد الهيمنة الثقافية، وتظن أن ذلك تغيير، ويعطي الخبز للجوعى، ناهيك عن أن يفك أغلال العبودية في السودان.
وكما قال جون قرنق دي مابيور، لا بد أن يكون الثوري واضحًا وشفافًا.
والوضوح والشفافية في الثورة السودانية يكمنان في هزيمة دولة الامتيازات التاريخية بكافة الوسائل، ولا داعي لاحتضان قصر غردون والبكاء في لحظة تفكيكها.
المراجع
- المناهج وأسس التفكير السليم، كتاب رقم (3)، المنهج الدراسي للمستوى الثانوي، الحركة الشعبية لتحرير السودان، بدون تاريخ.
- عادل مصطفى، المغالطات المنطقية: فصول في المنطق غير الصوري، مؤسسة هنداوي C.I.C، مصر، 2017م.
- د. فؤاد زكريا، التفكير العلمي، سلسلة عالم المعرفة، مصر، 1978م.
- أسس التفكير وأدواته، دونالد ج. تريفنجر، وكارول ناساب، ترجمة: منير الحوراني، دار الكتاب الجامعي، العين، الإمارات، 2002م.
النضال مستمر، والنصر أكيد.
الثلاثاء، 21/7/2026م.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.