
العداء العشوائي والقصف الجوي في دارفور: قراءة قانونية ونفسية في ضوء قواعد القانون الدولي الإنساني
✍️🏽 غادة حسن مردوم
يعد استهداف المدنيين أثناء النزاعات المسلحة من أخطر الانتهاكات التي تهدد منظومة القانون الدولي المعاصر، إذ نشأ القانون الدولي الإنساني أساساً بهدف الحد من آثار الحرب على السكان المدنيين والأعيان المدنية. وقد أرست اتفاقيات جنيف لعام 1949 والبروتوكولات الإضافية الملحقة بها مجموعة من المبادئ التي تنظم سلوك أطراف النزاع المسلح، وفي مقدمتها مبدأ التمييز بين المقاتلين والمدنيين ومبدأ التناسب في استخدام القوة.
وفي ظل الحرب الدائرة في السودان، برزت خلال الأشهر الأخيرة تقارير ميدانية تشير إلى تصاعد وتيرة القصف الجوي واستخدام الطائرات المسيّرة في عدد من مدن إقليم دارفور. وتشير تقديرات وتقارير محلية إلى تنفيذ ما يقارب اثنتين وخمسين 52عملية قصف خلال شهري يناير وفبراير، أسفرت عن مقتل من المدنيين 478في مناطق مأهولة بالسكان مثل مدينتي كتم والضعين إضافة إلى مناطق أخرى.
وإذا ما ثبتت دقة هذه التقارير، فإنها تثير تساؤلات قانونية وإنسانية جوهرية حول طبيعة العمليات العسكرية ومدى التزام أطراف النزاع بقواعد القانون الدولي الإنساني، كما تفتح المجال لتحليل أعمق للأبعاد النفسية والاجتماعية للعنف العشوائي في الحروب المعاصرة.
أولاً: مفهوم العداء العشوائي في القانون الدولي الإنساني
يشير مفهوم العداء العشوائي في سياق النزاعات المسلحة إلى استخدام القوة العسكرية بطريقة لا تميز بين الأهداف العسكرية والأشخاص المدنيين، أو بطريقة تجعل آثار الهجوم غير قابلة للحصر بحيث تصيب المدنيين والمقاتلين على حد سواء. ويعد هذا النوع من العمليات العسكرية من أخطر مظاهر انتهاك قواعد الحرب، لأنه يقوض المبدأ الأساسي الذي يقوم عليه القانون الدولي الإنساني وهو حماية السكان المدنيين.
ويصنف القانون الدولي الإنساني هذا النوع من الأفعال ضمن ما يعرف بـ الهجمات العشوائية، وهي الهجمات التي لا تُوجَّه إلى هدف عسكري محدد أو التي تستخدم وسائل قتالية لا يمكن التحكم في آثارها.
وقد نص البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف لعام 1977 على حظر هذه الهجمات، حيث تؤكد المادة (48) ضرورة التمييز في جميع الأوقات بين المدنيين والمقاتلين، بينما تحظر المادة (51) الهجمات العشوائية التي قد تؤدي إلى خسائر واسعة في صفوف السكان المدنيين.
وتؤكد الدراسات التي أعدتها International Committee of the Red Cross حول القانون الدولي الإنساني العرفي أن حظر الهجمات العشوائية أصبح قاعدة قانونية راسخة وملزمة لجميع أطراف النزاعات المسلحة، سواء كانت دولاً أو جماعات مسلحة غير حكومية.
ثانياً: القصف الجوي والطائرات المسيّرة وإشكالية التناسب
أصبح استخدام القوة الجوية والطائرات المسيّرة أحد السمات البارزة في النزاعات المسلحة المعاصرة. ورغم أن هذه الوسائل العسكرية توفر قدرات تقنية متقدمة، إلا أن استخدامها في مناطق مكتظة بالسكان يطرح تحديات قانونية وأخلاقية كبيرة.
فالقصف الجوي يمتلك قدرة تدميرية واسعة، وهو ما يفرض على القادة العسكريين التزاماً صارماً بمبدأ التناسب الذي يمنع تنفيذ أي هجوم إذا كان من المتوقع أن يؤدي إلى خسائر مدنية مفرطة مقارنة بالمكاسب العسكرية المرجوة.
وقد تناول الباحث في قانون النزاعات المسلحة Michael N. Schmitt هذه الإشكالية في دراساته حول قانون الحرب، مشيراً إلى أن استخدام القوة الجوية في البيئات المدنية يتطلب مستويات عالية من الدقة الاستخباراتية واتخاذ الاحتياطات الكافية لتقليل الأضرار الجانبية.
وفي حالة دارفور، تشير شهادات السكان المحليين وتقارير المنظمات المدنية إلى أن بعض الهجمات الجوية وقعت في مناطق مدنية مثل الأحياء السكنية والأسواق والمرافق الخدمية، ما أدى إلى سقوط ضحايا بين النساء والأطفال وتدمير ممتلكات مدنية.
إن تكرار مثل هذه الحوادث في مناطق لا يظهر فيها وجود واضح لأهداف عسكرية يثير شبهة وقوع هجمات غير متناسبة أو عشوائية، وهو ما قد يشكل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني.
ثالثاً: التكييف القانوني المحتمل لهذه الهجمات
في حال ثبوت أن هذه العمليات العسكرية استهدفت مناطق مدنية بشكل مباشر أو نُفِّذت دون اتخاذ الاحتياطات الكافية لحماية السكان المدنيين، فإنها قد تندرج ضمن جرائم الحرب وفقاً للقانون الدولي الجنائي.
فقد نص Rome Statute of the International Criminal Court على أن تعمد توجيه الهجمات ضد السكان المدنيين أو ضد الأعيان المدنية التي لا تشكل أهدافاً عسكرية يعد جريمة حرب.
كما يشمل ذلك الهجمات التي يعلم منفذوها أنها قد تؤدي إلى خسائر عرضية مفرطة في صفوف المدنيين مقارنة بالفائدة العسكرية المتوقعة.
ولا تقتصر المسؤولية الجنائية في هذه الحالات على المنفذين المباشرين للهجوم، بل تمتد إلى القادة العسكريين والسياسيين وفق مبدأ مسؤولية القيادة، وهو مبدأ راسخ في القانون الدولي الجنائي كما أوضحه الباحث القانوني Antonio Cassese.
رابعاً: القراءة النفسية لظاهرة العنف العشوائي في الحروب
إلى جانب التحليل القانوني، تقدم دراسات علم النفس الاجتماعي إطاراً مهماً لفهم ظاهرة العنف العشوائي في النزاعات المسلحة.
فقد أوضح عالم النفس Albert Bandura في نظريته حول فك الارتباط الأخلاقي أن الأفراد قد يبررون ممارسة العنف عندما يتم تقديمه في إطار جماعي أو أيديولوجي يخفف من الشعور بالمسؤولية الفردية.
كما تشير أبحاث عالم النفس Philip Zimbardo إلى أن السياقات الجماعية والظروف القاسية للحروب قد تدفع الأفراد إلى ارتكاب أعمال عنف لم يكونوا ليرتكبوها في الظروف الطبيعية.
وفي حالة القصف الجوي والطائرات المسيّرة، قد يسهم البعد التكنولوجي والمسافة الجغرافية بين الفاعل والضحية في خلق نوع من الانفصال النفسي بين الطرفين، وهو ما ناقشه الباحث العسكري Dave Grossman في تحليله لسيكولوجية القتل في الحروب الحديثة.
خامساً: دارفور كدراسة حالة – كتم والضعين
تقدم مدن دارفور، مثل كتم والضعين، مثالاً واضحاً على التحديات التي تواجه حماية المدنيين في النزاعات المسلحة.
فقد أفادت تقارير محلية بوقوع هجمات جوية في مناطق مدنية خلال أنشطة اجتماعية وخدمية، مثل حملات النظافة والإصحاح البيئي، ما أدى إلى سقوط ضحايا بين المدنيين بينهم نساء وأطفال.
تكشف هذه الحالات عن مجموعة من الإشكاليات الإنسانية والقانونية، من أبرزها هشاشة البيئة المدنية في هذه المناطق، وارتفاع مخاطر الخطأ العسكري أو الاستخدام غير المتناسب للقوة، إضافة إلى الآثار النفسية والاجتماعية العميقة التي يتركها العنف المتكرر على المجتمعات المحلية
وتشير دراسات الصدمات النفسية التي قدمتها الطبيبة النفسية Judith Herman إلى أن المجتمعات التي تتعرض للعنف المستمر قد تعاني من صدمات جماعية طويلة الأمد تؤثر في استقرارها الاجتماعي والنفسي.
خاتمة
إن احترام قواعد القانون الدولي الإنساني يمثل الحد الأدنى من الضوابط القانونية والأخلاقية التي ينبغي أن تحكم سلوك أطراف النزاع المسلح. وفي ظل التقارير المتزايدة عن سقوط أعداد كبيرة من المدنيين نتيجة القصف الجوي والطائرات المسيّرة في دارفور، تبرز الحاجة الملحة إلى إجراء تحقيقات مستقلة وشفافة لتحديد الوقائع بدقة وتحديد المسؤوليات القانونية.
فالإفلات من العقاب في مثل هذه الحالات لا يهدد فقط حقوق الضحايا، بل يقوض أيضاً النظام القانوني الدولي الذي يسعى إلى الحد من وحشية الحروب. ومن ثم فإن ضمان المساءلة القانونية وتعزيز حماية المدنيين يظل شرطاً أساسياً لأي مسار حقيقي نحو السلام والاستقرار في السودان.
المراجع
اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949.
البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف لعام 1977.
Rome Statute of the International Criminal Court، 1998.
International Committee of the Red Cross، القانون الدولي الإنساني العرفي، 2005.
Antonio Cassese، International Criminal Law.
Michael N. Schmitt، The Law of Armed Conflict.
Albert Bandura، Moral Disengagement.
Philip Zimbardo، The Lucifer Effect.
Dave Grossman، On Killing.
Judith Herman، Trauma and Recovery.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.