سبعون عامًا من العجز البنيوي .. وعامان من مشروع تأسيس

بقلم✍🏾: إبراهيم الميرغني

 

 

الحقيقة التي أصبح من الصعب إنكارها أن القوى السياسية السودانية، منذ الاستقلال، لم تتمكن في معظم حالاتها من تقديم مشروع وطني متكامل، قائم على الأرض وبين الناس، ويمتلك أدوات القوة الفعلية. والاستثناء الأوضح حتى اللحظة هو مشروع تأسيس، رغم أنه لم يتجاوز عمره العامين.
لم يكن انقلاب الجبهة القومية الإسلامية عام 1989 مجرد استيلاء على السلطة، بل كان قطيعة مع المسار الوطني الديمقراطي. استُخدمت فيه أدوات الدولة لإعادة هندسة المجتمع والسياسة وفق أيديولوجيا ضيقة، فانهار التوازن المؤسسي، وتراجعت الثقة بين الدولة والمواطن، وتحولت السياسة من ساحة تنافس إلى ساحة إقصاء. ومنذ ذلك التاريخ ظل السؤال معلقًا: أين المشروع البديل الذي يملك القدرة على استعادة الدولة لا مجرد إسقاط النظام؟
مرت أكثر من ثلاثة عقود شهدت البلاد خلالها أشكالًا متعددة من المعارضة: أحزابًا تقليدية، وحركات مسلحة، ومنصات مدنية، وانتفاضات شعبية. ومع ذلك ظل العجز البنيوي قائمًا في معظم الحالات. فقد كانت كثير من هذه القوى إما مشغولة بمكاسب ظرفية، أو منقسمة على نفسها، أو تفتقر إلى رؤية تربط بين الشرعية الشعبية والقدرة التنظيمية والأدوات التنفيذية. وحتى بعد ثورة ديسمبر 2018، التي أطاحت برأس النظام، ظهر أن غياب المشروع المتكامل كان أعمق تأثيرًا من غياب الرأس. تفككت التحالفات وتنازعت الجهات على السلطة دون أن تمتلك معظمها خارطة طريق قادرة على إعادة بناء الدولة من أساسها.
الحرب الدائرة اليوم تعبير دموي عن هذا الفراغ، إلى جانب عوامل أخرى تتعلق بصراع المركز الافتراضي والهامش الحقيقي ومزيج من الحسابات الإقليمية والدولية المعقدة. فالقوى التي ادعت أنها تمثل البديل لم تبنِ، في معظمها، مؤسسات بديلة ولا شبكة أمان اجتماعي ولا تحالفًا وطنيًا عابرًا للجهويات ولا رؤية اقتصادية وأمنية متماسكة. بقيت كثير من مشاريعها خطابية أو تفاوضية، تُدار من الغرف المغلقة، بعيدًا عن الواقع اليومي للناس.
في هذا السياق يبرز مشروع تأسيس كاستثناء واضح. فهو ليس مجرد تحالف سياسي أو صيغة تفاوضية، بل محاولة لبناء مشروع وطني يطرح رؤية فكرية تتجاوز أيديولوجيا الاستبداد، وإطارًا سياسيًا منظمًا، وحضورًا عسكريًا ينسجم مع مشروعه السياسي بدل أن يتعارض معه. ورغم ما يعتريه من قصور واختلافات، فقد سعى إلى معالجتها ومخاطبة أسبابها بدل إنكارها أو تبريرها.
ومن أبرز ما واجهه تأسيس بشجاعة، وكانت النخب تتهرب منه لعقود، أربع قضايا مفصلية:
أولًا، قضية الدين والدولة، حيث طرح مبدأ العلمانية صراحةً كأساس لفصل الدين عن الدولة، متجاوزًا المخاوف التقليدية التي أبقت كثيرًا من القوى السياسية أسيرة الحسابات الطائفية والمزايدات الأيديولوجية.
ثانيًا، موضوع الوحدة الطوعية بين شعوب السودان، حيث طرحها تأسيس كشرط وضمان للمبادئ فوق الدستورية التي ترسخ وحدة الشعوب السودانية، مقرًا بحق هذه الشعوب في تقرير مصيرها ضمن إطار وحدوي طوعي، بدل فرض الوحدة بالقوة أو إنكار التنوع.
ثالثًا، قضية الشرعية وانتزاعها، حيث أعلن حكومة السلام والوحدة من نيالا، وشرع في بناء مؤسسات إدارية وقضائية وأمنية على الأرض، بدل الاكتفاء بالخطابة أو انتظار اعتراف خارجي يمنحه الشرعية.
رابعًا، الوعي بضرورة تأسيس جيش وطني جديد، بعد أن تأكد أن القوات المسلحة السودانية تحولت إلى فصيل تنظيمي تابع للحركة الإسلامية، غير قابل للإصلاح أو إعادة البناء على أسس وطنية. فلم يعد ممكنًا التعويل على مؤسسة أُعيدت هندستها أيديولوجيًا لعقود، بل صار لزامًا بناء قوة عسكرية متسقة مع المشروع الوطني، تخدم الدولة بدل أن تُستخدم كأداة وحرس أيديولوجي.
وهذا ما سمح له ببناء أدوات حضور فعلي: إدارة مناطق واسعة، ومحاولات لإعادة بناء المؤسسات المحلية (شرطة وعدالة وخدمات)، وشراكات إقليمية، ورؤية معلنة لإدارة المرحلة الانتقالية وما بعدها.
إن الاعتراف بهذه الحقيقة ليس انحيازًا لطرف على حساب آخر، بل قراءة لمسار طويل من الإخفاقات المتكررة. فالبديل الذي يُطرح اليوم إما أن يكون مشروعًا يملك أدواته على الأرض، أو يبقى مجرد رد فعل على واقع فرضته قوى أخرى. ومشروع تأسيس، حتى اللحظة، هو الأقرب إلى تقديم نفسه بهذه الصفة: مشروعًا وطنيًا مضادًا، قائمًا بين الناس، وقادرًا على المنافسة على مستقبل الدولة.
ما لم تمتلك القوى السياسية والمدنية الأخرى القدرة على تقديم مشروع مماثل في عمقه وتنظيمه واتصاله بالواقع، فإن الجدل حول «البدائل» سيظل يدور في فراغ نسبي، بينما تتقدم الأرض بمن يملك القدرة على ملئها. وهذه حقيقة يصعب إنكارها، حتى مع الاعتراف بأن المشروع ما زال في بداياته ويواجه تحديات وجودية تحتاج إلى إعمال أدوات الفكر والتنظيم أثناء الممارسة العملية.
يتبع..

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.