السودان بين وجع الانتماء وحلم الوطن: هل فقدت الأرض معناها أم ضلّت الدولة طريقها؟

بقلم 💪🏾 دانيال موسى علي

 

 

الوطن في السياق السوداني ليس مجرد حدودٍ مرسومة على الخريطة، بل هو ساحة صراعٍ عميق بين المعنى والواقع، بين ما ينبغي أن يكون وما هو كائن. حين يقول البعض إن “الوطن بلا قيمة”، فهم لا ينكرون الأرض، بل يصرخون في وجه تجربةٍ قاسية من التهميش، الفقر، وانكسار الكرامة الإنسانية. هذا الشعور لم يأتِ من فراغ، بل هو نتاج تاريخ طويل من السياسات المختلة، والحروب، وغياب العدالة في توزيع السلطة والثروة.

في السودان، عانى المواطن خاصة في الأطراف والهامش من الإقصاء المنهجي. لم يكن مجرد مواطن، بل أصبح في كثير من الأحيان رقمًا في تقارير الإغاثة، أو اسمًا في قوائم النزوح. حين يُحرم الإنسان من حقه في التعليم، والصحة، والعيش الكريم، يصبح السؤال مؤلمًا: ماذا يعني الوطن إذا لم يحتضن أبناءه؟ وكيف يكون الانتماء صادقًا في ظل واقع يدفع أفضل العقول إلى الهجرة، ويجعل “الخروج” حلمًا مشروعًا بل وضروريًا للبقاء؟

لكن، في المقابل، هناك رؤية أخرى أكثر عمقًا وأشد ارتباطًا بالجذور. هؤلاء يرون أن الوطن لا يُختزل في الحكومات ولا في الأنظمة، بل هو الذاكرة الجماعية، اللغة، الأغاني، رائحة الطين بعد المطر، ووجوه الأهل. الوطن عندهم ليس سلطة تُمارَس، بل هو هوية تُعاش. لذلك، فهم يفرقون بوضوح بين فشل الدولة وبين قيمة الأرض. يقولون إن الأزمة ليست في السودان كأرضٍ وشعب، بل في طريقة إدارته، في النخب التي احتكرت القرار، وفي السياسات التي عمّقت الانقسام بدل أن تبني الوحدة.

هذه الثنائية تضعنا أمام حقيقة مركبة: الوطن يمكن أن يكون جرحًا، وفي نفس الوقت يمكن أن يكون معنىً لا يُستغنى عنه. قد يغضب الإنسان من واقعه، وقد يتمرد على نظامه، لكنه في أعماقه يظل مشدودًا لذلك الخيط الخفي الذي يربطه بأرضه. لذلك، فإن الدعوة ليست للتخلي عن الوطن، بل لإعادة تعريفه. ليس كمساحة جغرافية صامتة، بل كمشروع إنساني قائم على الكرامة، العدالة، والمساواة.

في السودان، المعركة الحقيقية ليست بين من يحب الوطن ومن يكرهه، بل بين من يريد وطنًا يُقصي، ومن يحلم بوطنٍ يسع الجميع. بين من يرى السلطة غنيمة، ومن يراها مسؤولية. وهنا يكمن التحدي الأكبر: كيف نحول هذا الشعور بالخذلان إلى قوة دافعة للتغيير؟ كيف نعيد بناء الثقة بين المواطن والدولة؟ وكيف نصنع وطنًا لا يضطر فيه الإنسان أن يختار بين كرامته والبقاء فيه؟

الوطن، في نهاية الأمر، ليس معطًى ثابتًا، بل هو فكرة تتشكل كل يوم. وإذا كان قد فقد قيمته في عيون البعض، فذلك ليس حكمًا نهائيًا، بل إنذارٌ بأن هناك خللًا عميقًا يجب إصلاحه. أما الذين ما زالوا يرونه حبًا وهوية، فهم يحملون بذرة الأمل، أمل أن يتحول السودان يومًا من وطنٍ يُهرب منه، إلى وطنٍ يُحلم بالعودة إليه.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.