⭕️ تجميل الألم: الجسد كواجهة، وبيع قضايا النساء في سوق الخطاب العام. مقاربة نقدية في تفكيك منطق الترميز التضليلي وسياسات التمثيل في السياق السوداني.

✍️🏽 غادة حسن مردوم.

تجميل الألم: الجسد كواجهة، وبيع قضايا النساء في سوق الخطاب العام.

 

مقاربة نقدية في تفكيك منطق الترميز التضليلي وسياسات التمثيل في السياق السوداني.

 

غادة حسن مردوم.

 

أتناول في هذا المقال تحليل لآليات ومعايير تمثيل النساء في الفضاء العام السوداني، من خلال تفكيك ما يُسمّى بـ“منطق الترميز التضليلي” و“سياسات الترضيات الرمزية” بأن المشكلة لا تكمن في غياب النساء عن المجال العام فقط، بل في إعادة إنتاج حضورهن داخل خطاب يفضّل الصورة على البنية، والتمثيل الرمزي على التحول البنيوي. بالاستناد إلى سوسيولوجيا الحقول الرمزية عند بيير بورديو، ونقد النسوية ما بعد الاستعمار، اتناول قراءة نقدية لكيفية تحويل قضايا النساء إلى رموز قابلة للاستهلاك الإعلامي، بما يفضي إلى إعادة إنتاج اللامساواة بدل تفكيكها.

الإطار النظري: بورديو والنسوية ما بعد الاستعمار

مقالي هذا ضمن تقاطع نظري يجمع بين سوسيولوجيا الحقول الرمزية عند بيير بورديو، ونقد النسوية ما بعد الاستعمار لتمثلات الجندر والسلطة في السياقات الهامشية عموما .

من منظور بيير بورديو، يمكن فهم الفضاء العام بوصفه حقلًا اجتماعيًا تتصارع داخله الفاعلات والفاعلون وفق توزيع غير متكافئ لرأس المال الرمزي والاجتماعي والإعلامي. لا يُنتج الحضور العام هنا بوصفه تمثيلًا ديمقراطيًا، بل كنتيجة لعلاقات قوة تحدد من يمتلك حق الظهور ومن يُعاد إنتاجه كرمز.

كما يتيح مفهوم العنف الرمزي فهم آليات الهيمنة الناعمة التي تُمارس عبر اللغة والصورة والتمثيل، بحيث تُقدَّم علاقات القوة بوصفها طبيعية أو بديهية.

في المقابل، تطرح النسوية ما بعد الاستعمار (خصوصًا عند غاياتري سبيفاك وتشاندرا موهانتي) سؤالًا جوهريًا حول: من يتكلم باسم من؟ وكيف يتم تمثيل النساء في السياقات الأخري اي غير الغربيه داخل خطاب عالمي ومحلي يعيد إنتاج الإقصاء عبر “التسمية” و“التأطير”.

وبذلك، يوفّر هذا التقاطع النظري أداة لفهم الفضاء العام السوداني بوصفه حقلًا رمزيًا غير متكافئ يُعاد فيه إنتاج السلطة عبر التمثيل، لا عبر التغيير البنيوي.

المقدمة: منطق الترميز التضليلي وسياسات الترضيات

تناولت مفككه ما يمكن تسميته بـ منطق الترميز التضليلي وسياسات الترضيات الرمزية في معالجة قضايا النساء داخل الفضاء العام السوداني.

ويقصد بالترميز التضليلي تحويل القضايا الاجتماعية والسياسية المعقدة إلى رموز وصور وتمثيلات مختزلة، تُقدَّم بوصفها بديلًا عن التحليل البنيوي، بينما تعمل فعليًا على حجب جذور الأزمة وجوهر الاشكال وإعادة إنتاجها في شكل أكثر قابلية للاستهلاك الإعلامي والسياسي.

في السودان اليوم، لا تكمن المشكلة في غياب النساء عن الفضاء العام وحسب ، بل في الكيفية التي يُعاد بها إنتاج حضورهن داخل خطاب يُفضّل الصورة على البنية، والتمثيل على التحول. وسط حرب مفتوحة، ونزوح واسع، وانهيار اقتصادي، يتشكل خطاب عام يميل إلى “تجميل الألم” عبر تحويل الجسد إلى واجهة رمزية، والقضية إلى مادة قابلة للتداول السريع.

وبذلك تُختزل قضايا النساء من تعقيدها البنيوي—المتصل بالعنف، والاقتصاد السياسي، والقانون، والسلطة—إلى تمثيلات بصرية وإعلامية استهلاكية، داخل سوق رمزي يساوي بين الظهور والتأثير، وبين الحضور والتمكين الفعلي للنساء ويتم ذلك عبر الآتي .

1. الجسد كواجهة: من الفاعلية إلى العرض

حين يُعاد تعريف الجسد بوصفه مدخلًا رئيسيًا إلى الفضاء العام، يحدث انتقال من الفعل إلى العرض. لا يعود السؤال: ما الذي تغيّر في شروط حياة النساء؟ بل يصبح: من الذي يظهر؟ ومن يتصدر المشهد؟

هذا التحول يُفرغ الفعل الاجتماعي والسياسي من مضمونه البنيوي، ويحوّل النضال إلى مجرد “حضور مرئي”. وهكذا تُبنى علاقة وهمية بين كثافة الظهور الإعلامي وعمق التأثير الفعلي، بينما تظل البنى العميقة للعنف دون تغيير. بنيوي وجذري للقضايا

2. سوق الخطاب العام: قابلية التداول بدل عمق التحليل

تعمل المنصات الإعلامية وشبكات التواصل وفق منطق اقتصادي رمزي يقوم على أن ما يُرى ينتشر، وما ينتشر يُعتبر مؤثرًا.

في هذا السياق، تُعاد صياغة قضايا النساء بما يخدم “قابلية التداول” لا “عمق الفهم” أو جذور المشكله، فتُفضَّل الرسائل السريعة والصور واللغة العاطفية على التحليل البنيوي المركب.

وينتج عن ذلك خطاب يُبسّط القضايا الاجتماعية ويحوّلها إلى قصص فردية أو رموز جمالية، بدل كونها تعبيرًا عن بنى متشابكة من العنف بأنواعه ارتبط تاريخياً بهيكل الدولة السودانية

3. اختلال معايير التمثيل: من يمثل ومن يُمثَّل؟

تخضع عملية اختيار الأصوات النسائية في المجال العام لمعايير غير متكافئة تشمل القابلية الإعلامية، وشبكات العلاقات، والملاءمة للخطاب السائد وفق استيفاء شروط المواطنه أو ترميزا تضليليا في واقع متعدد ومتنوع ثقافيا.

ينتج عن ذلك:

إقصاء الأصوات القاعدية المرتبطة بالتجربة المباشرة (لنساء الهامش المنزحات والعاملات القاعديات، وغيرهن )

وهنا تصدير شخصيات أكثر توافقًا مع منطق الإعلام والسياسة الرمزية

وبذلك يتحول التمثيل من أداة لنقل الواقع إلى آلية لإعادة إنتاجه بصورة انتقائية.

4. الفارق الزمني والمعرفي والسياسي

توجد فجوة بين سرعة إنتاج الصورة وبطء التحول الاجتماعي الحقيقي. فالصورة تُنتج أثرًا فوريًا، بينما التغيير البنيوي يتطلب زمنًا طويلًا وإصلاحًا مؤسسيًا.

كما تظهر فجوة معرفية في اختزال القضايا المعقدة إلى شعارات عامة، مما يُضعف أدوات التحليل مثل:

القانون وسياسات الحماية

الاقتصاد السياسي

دراسات النوع الاجتماعي

أما سياسيًا، فتُستبدل قضايا العدالة والمساواة وإعادة توزيع السلطة برسائل توافقية سطحية لا تمس الجذور.

5. سياسات الترضيات: تمثيل بلا تحول

في السياقات المضطربة، تتشكل سياسات تقوم على توزيع رمزي للحضور والخطاب لإنتاج توازن شكلي بين الفاعلين.

لكن هذا التوازن لا يعكس تحولًا في بنية السلطة، بل ينتج ما يمكن تسميته بـ تمثيل واسع بلا أثر تحويلي، حيث يصبح الوجود في المجال العام غاية رمزية بدل أن يكون أداة للتغيير.

6. الحضور النسائي بين الرمزية وإعادة الإنتاج البنيوي

يمكن قراءة بروز شخصيات نسائية من بيئات مختلفة—مثل نتاليا يعقوب من ملكه مهرجان جبال النوبة الي مسؤول السلم الاجتماعي، وعوضية كوكو، كأول نقابية وغيرهن من نساء الهامش اللائي رمزنه تضليليا—بوصفه جزءًا من آليات إنتاج الخطاب العام، لا حالات فردية منفصلة بعيداً عن الاستخفاف بهن ولكن .

فالمسألة لا تتعلق بالأفراد، بل بكيفية إعادة توظيف هذا الحضور كرموز تُخفف حده التناقضات دون معالجتها جذريًا في بلد متعدد ومتنوع ثقافيا .

الإشكال إذن ليس في الحضور، بل في وظيفته داخل بنية الخطاب.

7. من التجميل إلى التحول: شروط المقاربة البنيوية

يتطلب الانتقال من “تجميل الألم” إلى معالجته:

ربط التجربة اليومية بالسياسات العامة (الحرب، الاقتصاد، العدالة الاجتماعية وغيرها )

تطوير أدوات تحليل متعددة المستويات (قانونية، اقتصادية، سياسية، وخدمية)

إعادة تموضع الأصوات القاعدية في مركز إنتاج المعرفة والخطاب والسياق وتحديد القضايا

تفكيك هيمنة الصورة السريعة لصالح فهم بنيوي عميق

الخاتمة: من التمثيل إلى التحول

لا يمكن اختزال قضايا النساء في تمثيل المرأة في السودان في صور أو رموز أو واجهات إعلامية، لأنها مرتبطة ببنى عميقة من العنف وإعادة إنتاج اللامساواة.

قد يفتح الجسد باب الانتباه، لكنه لا يكفي لصناعة التغيير.

وما لم يُعاد توجيه الخطاب من الصورة إلى البنية، سيظل “تجميل الألم” آلية لإنتاج وهم بالمعالجة داخل واقع لم يتغير جذريًا.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.