من الذي يستهدف الكنائس في السودان: الإسلاميون الذين يسيطرون على القوات المسلحة أم «الدعم السريع»؟

عادل شالوكا

 

طالعتُ خبرًا نشرته قناة «الحدث»، التي أتحفظ على خطها التحريري وانحيازها الواضح إلى معسكر بورتسودان، مفاده أن مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة، «بيكا هافيستو»، التقى عددًا من قادة الكنائس في العاصمة السودانية الخرطوم، واستمع إلى إفاداتهم حول أوضاع الطوائف المسيحية خلال الحرب. وبحسب الخبر، فقد تحدثت القيادات الكنسية عن ما وصفته بـ«ممارسات تمييزية» يتعرض لها أبناء الطوائف المسيحية من قبل «الدعم السريع» في دور ومقار العبادة بالولاية.
ومع احترامنا الكامل لمعاناة المسيحيين وحقهم الأصيل في ممارسة شعائرهم الدينية بأمان، فإن التعامل مع هذه القضية يتطلب قدرًا من الدقة والموضوعية، ووضع الانتهاكات في سياقها التاريخي، بدلًا من اختزالها في الحرب الحالية أو توجيه الاتهام إلى طرف بعينه دون أدلة واضحة وتحقيقات مستقلة.
فالتمييز والانتهاكات التي تعرض لها المسيحيون ودور العبادة في السودان ليست ظاهرة مستحدثة، بل تمتد جذورها إلى عقود سابقة شهدت خلالها البلاد سياسات وممارسات موثقة ضد المسيحيين وغيرهم من الجماعات الدينية. وقد بلغت هذه السياسات ذروتها خلال عهد الجبهة الإسلامية وحكومة الإنقاذ، حيث لعبت مؤسسات الدولة والأجهزة الأمنية والعسكرية أدوارًا أساسية في تنفيذها.
ولهذا، فإن كان الهدف فعلًا هو تحقيق العدالة وإنصاف الضحايا، فلا بد من فتح جميع الملفات، القديمة والحديثة، دون انتقائية. كما يجب التحقيق في الانتهاكات التي وقعت خلال الحرب الحالية، أياً كان مرتكبوها، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته عنها، بعيدًا عن التوظيف السياسي لمعاناة المواطنين المسيحيين أو استخدامها في الصراع بين أطراف الحرب.
فالسؤال الحقيقي ليس فقط: من يتهم من؟ وإنما: ما الأدلة؟ ومتى وقعت هذه الانتهاكات؟ وأين حدثت؟ ومن كان المسؤول عنها؟
هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تكون محور أي تحقيق جاد ومستقل.
إن إنصاف الضحايا لا يتحقق بإدانة طرف سياسي أو عسكري لمجرد انتمائه إلى أحد معسكرات الحرب، وإنما بالكشف عن الوقائع، وتوثيق الانتهاكات، وتحديد المسؤوليات بصورة مهنية، ثم محاسبة كل من تثبت إدانته، دون استثناء.
واضطهاد المسيحيين في السودان لم يبدأ مع الحرب الحالية. فقد اتبعت الدولة السودانية، في مراحل مختلفة منذ الاستقلال، سياسات أضرت بالحريات الدينية وبحقوق المسيحيين، ووصلت هذه السياسات إلى ذروتها خلال عهد الجبهة الإسلامية وحكومة الإنقاذ، حيث ارتبطت ممارسة الدولة بالتمييز الديني وفرض توجهات أيديولوجية على المجتمع والدولة.
وكانت القوات المسلحة السودانية، في ظل سيطرة الحركة الإسلامية على مؤسسات الدولة ومفاصلها، جزءًا أساسيًا من منظومة السلطة التي نفذت هذه السياسات وحمتها.
ومن ثم، فإن أي حديث عن حماية المسيحيين ومحاسبة المعتدين يجب ألا يبدأ من لحظة اندلاع الحرب الحالية وينتهي عند اتهام «الدعم السريع». بل ينبغي أن يمتد إلى جذور المشكلة، وأن يشمل سجل الانتهاكات الذي سبق الحرب، وكذلك الانتهاكات التي ارتكبت خلالها، أياً كان مرتكبوها.
العدالة لا تتجزأ، والضحايا لا ينبغي أن يكونوا أدوات في الحرب الدعائية بين المتحاربين.
إذا كان ثمة اعتداء على كنيسة أو مصلين أو أي مواطن بسبب دينه، فيجب التحقيق فيه ومحاسبة المسؤول عنه، سواء كان من «الدعم السريع» أو القوات المسلحة أو أي جماعة مسلحة أخرى.
فالهدف في نهاية المطاف ليس الانتصار لرواية هذا الطرف أو ذاك، وإنما حماية المواطنين، وصون حرية العقيدة والعبادة، وكشف الحقيقة، ومحاسبة الجناة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.