ليس كل من غادر تنظيمًا أصبح حرًا… بعضهم أصبح سجينًا لماضيه

بقلم ✍🏾: دانيال موسى علي جانا

 

في سياق الممارسة السياسية السودانية، أصبحنا نشهد ظاهرة تستحق الوقوف عندها مليًا. فكلما اشتدت الخلافات داخل تنظيم سياسي، يخرج بعض الأفراد معلنين أن استقالتهم جاءت بحثًا عن حرية فكرية أوسع، أو رفضًا لما يرونه قيودًا تنظيمية تكبل العقل والإبداع.
ولا خلاف على أن الاستقالة حق، كما أن الاختلاف حق، بل إن مراجعة التجارب السياسية ضرورة لبقاء أي تنظيم حيًا وقادرًا على التطور. لكن السؤال الحقيقي لا يبدأ لحظة الاستقالة، وإنما يبدأ بعدها:
ماذا فعلت بحريتك الجديدة؟
هذا هو السؤال الذي يحدد إن كانت الاستقالة موقفًا فكريًا أم مجرد انتقال من موقع إلى آخر.
ولعل أكثر ما يثير الدهشة في واقعنا السياسي أن بعض الذين غادروا تنظيماتهم، سواء عبر استقالات رسمية أو بمغادرة صامتة دون حتى احترام الإجراءات التنظيمية، لم ينشغلوا بعد رحيلهم ببناء مشروع جديد أو تقديم رؤية مختلفة، وإنما جعلوا التنظيم الذي تركوه محور نشاطهم السياسي والإعلامي.
وكأنهم لم يغادروا إلا بأجسادهم، أما عقولهم فما زالت أسيرة للمكان الذي أعلنوا التحرر منه.
وهنا يبرز السؤال الفلسفي:
هل كان القيد فعلًا في التنظيم، أم في العقل الذي لم يستطع أن يتحرر من خصومته معه؟
فالحرية الفكرية ليست أن تقول: “أنا ضد.” بل أن تقول: “هذا هو البديل.”
وليست الحرية أن تهدم كل ما خلفك، وإنما أن تمتلك القدرة على بناء شيء يستحق أن يسير الناس خلفه.
فالإنسان لا يقاس بما يرفضه فقط، وإنما بما ينتجه من أفكار، وما يقدمه من حلول، وما يبنيه من مشاريع. أما أن تتحول سنواتك بعد المغادرة إلى ملاحقة تنظيمك السابق، والبحث عن أخطائه، وتفسير كل حدث من خلاله، فإن ذلك لا يعكس تحررًا، بل يكشف عن علاقة لم تُحسم بعد مع الماضي.
وليس هذا الفهم جديدًا في الفكر السياسي؛ فقد تناول مفكرو حركات التحرر هذه الإشكالية منذ عقود. فقد رأى أنطونيو غرامشي في كتابه «دفاتر السجن» أن الأزمة الكبرى تبدأ عندما يحتضر القديم بينما يعجز الجديد عن أن يولد، وهي إشارة عميقة إلى أن تجاوز الأزمات لا يتحقق بالعيش في صراع دائم مع الماضي، وإنما بإنتاج مشروع تاريخي جديد.
أما فرانتز فانون، ففي كتابه «معذبو الأرض»، فيؤكد أن الثورة ليست مجرد رفض للواقع القائم أو إسقاط للبنى القديمة، وإنما فعل خلاق يهدف إلى بناء إنسان جديد ومؤسسات جديدة ورؤية جديدة للمجتمع. فالثورة التي لا تنتج بديلًا، تبقى حبيسة ردود الأفعال مهما ارتفع خطابها.
ومن المؤسف أن بعض السياسيين يغادرون التنظيم، لكنهم يحملونه معهم أينما ذهبوا. يراقبون كل تصريح، ويعلقون على كل موقف، ويعيشون في حالة دائمة من ردود الأفعال، حتى يصبح التنظيم الذي تركوه أكثر حضورًا في حياتهم من المشروع الذي ادعوا أنهم خرجوا من أجله.
وهنا تكمن المفارقة.
فالذي قال إنه خرج من أجل الحرية، أصبح أسيرًا لما تركه.
والذي أعلن أنه يبحث عن فضاء جديد، حصر نفسه داخل دائرة الصراع القديم.
إن نقد التنظيمات ليس خطيئة، ولا توجد مؤسسة سياسية فوق النقد والمساءلة. لكن النقد يفقد قيمته الأخلاقية والفكرية عندما يتحول إلى مشروع دائم، وعندما يصبح الهجوم هو البرنامج، والخصومة هي الهوية السياسية.
الثائر الحقيقي لا يقضي عمره في إثبات أن الآخرين أخطأوا، وإنما يقضي عمره في إثبات أن فكرته تستحق أن تُتبع. فالتاريخ لا يخلد الذين أكثروا من الاتهامات، ولا الذين أتقنوا تصفية الحسابات، وإنما يخلد الذين صنعوا البدائل وفتحوا آفاقًا جديدة لشعوبهم.
وفي واقعنا السوداني، حيث تتكاثر الانقسامات أكثر من المشاريع، أصبحنا بحاجة إلى رجال ونساء يصنعون المستقبل، لا إلى سياسيين يعيشون على أنقاض الماضي.
فالوطن لا يبنى بردود الأفعال، ولا تنهض الأمم بثقافة الانتقام السياسي، وإنما تنهض بالعقول التي تحول الاختلاف إلى إبداع، والهزيمة إلى مراجعة، والاستقالة إلى مشروع جديد.
إن الحرية الفكرية مسؤولية قبل أن تكون شعارًا، ومشروع قبل أن تكون موقفًا، وإنتاج قبل أن تكون احتجاجًا.
وفي النهاية…
لن يسأل التاريخ أحدًا: كم مرة هاجمت تنظيمك السابق؟
ولن يسأل: كم منشورًا كتبت ضد رفاق الأمس؟
بل سيسأل سؤالًا واحدًا:
ماذا بنيت بعد أن غادرت؟
فليس كل من غادر تنظيمًا أصبح حرًا…
بعضهم أصبح سجينًا لماضيه، بينما مضى المستقبل مع أولئك الذين انشغلوا بالبناء لا بالخصومة، وبصناعة البدائل لا بإعادة تدوير المعارك.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.