صراع المهزومين: عندما تتحول الهزيمة إلى ولاء لمن صنعه

✍🏾 بقلم : إيذاك كوكو ‏[email protected] 25 يونيو 2026 المملكة المتحدة

 

ليست الهزيمة دائماً هزيمةً عسكرية أو سياسية نتيجة خطأ عابر في الحسابات أو سوء تقدير ظرفي، فهناك نوعٌ أشد قسوةً وأعمق أثراً، وهو هزيمة الروح والعقل والإرادة بل قد تتحول إلى حالة نفسية وفكرية مزمنة تستقر في وعي بعض الأحزاب والحركات والجماعات الانتهازية علي وجه الخصوص . هذه الحالة لا تدفع أصحابها إلى مراجعة تجاربهم أو نقد خياراتهم، وإنما تقودهم إلى مسار أكثر غرابة وخطورة ، وهو الدفاع عن أسباب هزيمتهم، وتبرير سلوك من استغلهم، والتمسك بالطريق نفسه الذي أوصلهم إلى السقوط.

وتظهر هذه الظاهرة بوضوح عندما تنخرط بعض القوى السياسية في خدمة مركزٍ مهيمن أو سلطةٍ مسيطرة، معتقدة أن ولاءها وتضحياتها ستكافأ يومًا بالمكانة والنفوذ. لكنها تكتشف في النهاية أنها لم تكن سوى أداة مؤقتة في مشروع أكبر منها، وأن دورها ينتهي بمجرد انتهاء الحاجة إليها. وعندما يأتي وقت توزيع المكاسب أو الاعتراف بالجهود، تجد نفسها خارج الحسابات، مهمشة أو مستبعدة أو منسية بالكامل.
وهذا يعرف في السياسة (بالغبي المفيد useful idiot

كان المتوقع في مثل هذه
اللحظة أن تتوقف هذه القوى لمراجعة تجربتها، وأن تسأل نفسها عن أسباب فشلها، وأن تعيد النظر في خياراتها وتحالفاتها. غير أن بعض الجماعات تقع في فخ نفسي وسياسي عميق؛ إذ ترفض الاعتراف بأنها كانت ضحية للاستغلال أو سوء التقدير. وبدلًا من نقد الجهة التي تخلت عنها، تنصرف إلى تبرير أفعالها والدفاع عنها، وكأنها تخشى مواجهة الحقيقة أكثر من خشيتها استمرار الخسارة.

إنها حالة من التماهي مع مصدر الإقصاء، حيث يصبح الولاء أقوى من المصلحة، وتصبح العاطفة السياسية أقوى من الوقائع. فكلما تعرضت هذه الجماعات للتهميش، ازدادت تمسكًا بمن همشها، وكلما تعرضت للخذلان، بحثت عن الأعذار لمن خذلها. وكأنها تعتقد أن مزيدًا من الصبر والخضوع قد يجلب لها في المستقبل ما حُرمت منه في الحاضر.

ولعل أقرب صورة لهذه الحالة هي صورة إنسان يتلقى الضربات المتتالية ثم يصر على حب اليد التي تضربه، وينتظر منها الرحمة والإنصاف. فبدلًا من أن يدرك أن المشكلة تكمن في طبيعة العلاقة المختلة التي تربطه بمصدر أذاه، يزداد تعلقًا به ويعتبره الأمل الوحيد للخلاص. وهكذا تتحول الهزيمة من حدث سياسي إلى بنية نفسية تعيد إنتاج نفسها باستمرار.

ومع مرور الوقت، تدفع هذه الحالة أصحابها إلى فقدان ما تبقى لهم من رصيد معنوي وشعبي. فالناس قد تتعاطف مع المهزوم الذي يعترف بأخطائه ويسعى إلى تصحيحها، لكنها نادرًا ما تحترم من يبرر هزيمته ويصر على تكرار أسبابها. لذلك تجد هذه الأحزاب والحركات نفسها في عزلة متزايدة؛ فالمركز المسيطر لا يثق بها لأنه استهلك دورها وانتهى منها، وقواعدها الشعبية تفقد الثقة فيها لأنها لم تعد تمثل مصالحها أو تعبر عن تطلعاتها.

وهنا تبلغ المأساة ذروتها، إذ لا يقتصر الرفض على الخصوم السياسيين، بل يمتد إلى البيئة الاجتماعية والسياسية التي خرجت منها هذه الجماعات أصلًا. فيصبح أفرادها مرفوضين حتى من أهلهم وحواضنهم الطبيعية، لأنهم لم يدافعوا عن مصالح من يمثلونهم، بل انشغلوا بالدفاع عن الجهات التي همشتهم وأقصتهم. وعندما يفقد السياسي احترام خصومه وثقة أنصاره في الوقت نفسه، فإنه لا يكون قد خسر معركة سياسية فحسب، بل يكون قد خسر موقعه الأخلاقي والرمزي أيضًا.

إن صراع المهزومين ليس صراعًا من أجل استعادة الحقوق أو تصحيح الأخطاء، بل هو في كثير من الأحيان صراع مع الحقيقة نفسها. فالمهزوم الذي يرفض التعلم من تجربته يتحول إلى سجين لهزيمته، ويصبح الدفاع عن الفشل جزءًا من هويته السياسية. ولذلك فإن بداية الخلاص لا تكون في البحث عن اعتراف من المركز الذي استغله، ولا في انتظار مكافأة ممن تنكر لتضحياته، وإنما في امتلاك الشجاعة الكافية للاعتراف بالخطأ ومراجعة الذات والقطع مع المسار الذي قاده إلى السقوط.

فالتاريخ لا يرحم من يكرر أخطاءه، ولا يكافئ من يدافع عن أسباب هزيمته، بل يفتح صفحاته لأولئك الذين يمتلكون الجرأة على مواجهة الحقيقة، مهما كانت مؤلمة، وتحويل الهزيمة من نهاية مهينة إلى بداية جديدة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.