
دور التعليم في تحقيق مشروع السودان الجديد (٣-٣)
✍🏾: الجاك محمود أحمد الجاك
أوضحنا في الجزئين السابقين من المقال الأسباب التي جعلت المنهج والنظام التعليمي فاشلا في السودان، والتي ساهمت في صناعة وإنتاج مشاكل وأزمات الدولة السودانية، وأقعدت البلاد عن النهوض والتقدم. فهذه الأسباب والمشاكل يستحيل إزالتها ما لم يتم تفكيك بنية الدولة القديمة وتصميم نظام تعليمي متقدم قادر على الإسهام في بناء السودان الجديد.
التعليم الجيد والمنتج في أي دولة كما قلنا في الجزء الأول من المقال لا يقاس بعدد المدارس والجامعات أو غيرها من المؤسسات التعليمية، بل بنوع ونظام التعليم. فهنالك جملة من المعايير العلمية والتربوية التي يمكن أن يقود الإلتزام الصارم بها إلى بناء نظام تعليمي ناجح في الدولة الحديثة، من بينها:
١. الحياد العلمي: أي تدريس العلوم وفقا للأدلة والبحث العلمي، مع توخي الدقة والأمانة العلمية في تقديم المعلومات.
٢. تنمية التفكير النقدي لدى التلميذ/الطالب بدلا من الإعتماد على التلقين والحفظ.
٣. حرية البحث والإستقصاء، أي إتاحة المجال للأسئلة والبحث دون قيود غير مبررة.
٤. إستقلال المؤسسات التعليمية: على الدولة الحد من التدخلات السياسية والأيديولوجية المباشرة في العملية التعليمية، فثبت أنه عندما تفقد المؤسسات التعليمية إستقلالها يمكن تحويل التعليم من وسيلة لتنمية العقل وبناء الإنسان إلى وسيلة للتعبئة السياسية والأيديولوجية.
٥. تحديث المناهج بإستمرار، وربطها بالتطورات العلمية والتكنلوجية وسوق العمل.
٦. التركيز على تطوير المعلم بإستمرار.
٧. التركيز على الكفاءات من خلال تنمية مهارات حل المشكلات، التواصل، العمل الجماعي والإبتكار.
٨. الإنضباط المؤسسي.
*أهمية* *مقرر* *التربية* *الوطنية* *في* *المنهج* *الدراسي* *والنظام* *التعليمي* :
تلعب التربية الوطنية السليمة دورا مهما في تقوية وتوحيد الوجدان الوطني، بل تعتبر تقوية وتوحيد الوجدان الوطني من أهم وظائف التربية الوطنية في الدولة الحديثة، شريطة أن تبنى على المواطنة المشتركة والحقوق المتساوية، لا على التلقين السياسي أو تمجيد السلطة. الوجدان الوطني هو مجموعة القيم والمشاعر والرموز والذكريات والتصورات المشتركة التي تجعل المواطنين يشعرون بالانتماء إلى الوطن الواحد بالرغم من إختلافاتهم العرقية أو الدينية أو اللغوية أو الثقافية أو السياسية. وتحقق التربية الوطنية السليمة أهدافها من خلال:
١. بناء مفهوم المواطنة المشتركة.
٢. تعريف التلميذ/الطالب بتاريخ بلاده بصورة موضوعية، وتدريس تاريخ البلاد بكل مراحله وإنجازاته وإخفاقاته.
٣. تشجيع التفكير النقدي بدلا عن التلقين والحفظ، مع تمليك الدارس أسس ومناهج التفكير السليم.
٤. تحويل التنوع إلى مصدر قوة.
٥. بناء الرموز والذاكرة الوطنية المشتركة.
٦. تعليم إدارة الإختلاف، أي كيف نختلف دون أن نكون أعداء.
٧. تعليم الديمقراطية والمشاركة العامة.
٨. تعليم الدارس أهمية المحافظة على البيئة.
٩. تعريف التلميذ/الطالب بالدستور، مؤسسات الدولة وبيروقراطية الدولة.
١٠. تعليم المسؤولية العامة.
١١. غرس مبدأ إحترام سيادة القانون.
١٢. إحترام حقوق الإنسان.
نحن في الحركة الشعبية وجميع قوى السودان الجديد معنيين بقراءة حركة التاريخ حتى نعتبر ونتعلم من تجارب الشعوب والدول التي نجحت في تجاوز الجدل حول طبيعة الدولة وسؤال الهوية الوطنية فنهضت بفضل ذلك وتقدمت علينا مئات السنين الضوئية. فالواقع يقول إن الأنظمة الثيوقراطية والعنصرية لا يمكن أن تبني نظام تعليمي جيد ومنتج. يجب أن يتم النهوض بالتعليم في السودان الجديد من خلال وضع إطار دستوري جيد للتعليم، إطار دستوري محكم وملزم للدولة وذلك لضمان كفالة حق التعليم لجميع المواطنين في الدولة، ولضمان بناء نظام تعليمي جيد. ولتصميم إطار دستوري جيد للتعليم في الدولة من الأفضل ألا يكتفي الدستور بعبارات معممة مثل: (التعليم حق لكل مواطن)، بل ينبغي أن ينشئ إطارا دستوريا متكاملا ومفصلا يحدد الحق وواجبات الدولة، وينص على مبادئ النظام التعليمي، وإستقلال المؤسسات التعليمية، والتمويل، والحوكمة والرقابة. على سبيل المثال يمكن بناء الإطار الدستوري للتعليم في الدولة على الأسس الموضحة أدناه:
١. التعليم حق أساسي من حقوق الإنسان والمواطنة، ويمكن التفصيل لهذه المادة الدستورية أكثر بفقرات توضح أن لكل مواطن في الدولة الحق في التعليم دون تمييز، وتلتزم الدولة بإتاحة تعليم جيد وميسور للجميع.
٢. إلزامية ومجانية التعليم الأساسي.
٣. مجانية التعليم الثانوي.
٤. تعليم عالي مدعوم.
٥. المساواة وتكافؤ الفرص في التعليم.
٦. جودة التعليم.
٧. إستقلال المؤسسات التعليمية ومراكز البحث العلمي.
٨. حياد التعليم عن الصراع الحزبي.
٩. يقوم التعليم على إحترام التنوع الثقافي واللغوي.
١٠. التربية الوطنية القائمة على المواطنة.
١١. حق التعليم العالي والمهني.
١٢. حق المجتمع في الرقابة والمساءلة.
*التعليم* *أكثر* *تقدما* *في* *الدولة* *العلمانية* :
من الملاحظ أن التعليم في الدول العلمانية أكثر تقدما مقارنة بالدول التي لا تتبنى النظام العلماني. ويعود ذلك إلى جملة من الأسباب الموضوعية والتي تتمثل في الآتي:
١. أن الدول ذات الأنظمة العلمانية هي الأكثر إنفاقا وإستثمارا في التعليم والبحث العلمي.
٢. الأكثر جودة في إعداد المعلمين وتدريبهم المستمر.
٣. تمتع المؤسسات التعليمية في الدول العلمانية بالإستقلال عن التجاذبات السياسية والحزبية.
٤. الإعتماد على التفكير النقدي والبحث العلمي.
٥. المساواة في فرص التعليم بين جميع المواطنين في الدولة.
٦. الإدارة الرشيدة للمؤسسات التعليمية، مع تقييم الأداء بصورة مستمرة.
كما تتفوق الدول العلمانية في الإهتمام بالعلوم الإنسانية لإدراكها للدور الأساسي للعلوم الإنسانية في التعليم، فهي لا تقتصر على نقل المعرفة، وإنما تهدف إلى بناء شخصية الإنسان وبناء الوعي بالذات، بناء الوعي التاريخي، بناء ثقافة الحوار، النقد، إتخاذ القرار، تؤسيخ المواطنة، تعزيز الوحدة الوطنية والعيش مع الآخرين. لذلك تمثل العلوم الإنسانية أحد الأعمدة الرئيسية لأي نظام تعليمي يريد بناء مجتمع متماسك ودولة حديثة. ويقصد بالعلوم الإنسانية مجموعة التخصصات التي تدرس الإنسان وسلوكه وأفكاره وثقافته وتاريخه وقيمه وعلاقاته بالمجتمع، ومن أبرزها:
* التاريخ
* الفلسفة
* علم الإجتماع
* علم النفس
* اللغات والآداب
* الجغرافيا الإنسانية
* العلوم السياسية
* القانون
يجب أن يلعب النظام التعليمي في السودان الجديد دورا واضحا في إعادة بناء الدولة السودانية، وفي نهضتها وتطورها للحاق بركب الدول المتقدمة. فالسودان لا تنقصه الإمكانيات المادية بإعتباره دولة غنية بالموارد والثروات الطبيعية، ومع ذلك فقد ورثنا دولة فاشلة منذ ما يسمى بالإستقلال، ويعود السبب في ذلك إلى فشل الأباء المؤسسين في إنجاز مهام البناء الوطني، وفشل النخب السياسية التي سيطرت على حكم البلاد منذ سبعين سنة في الإجابة على الأسئلة التأسيسية والدستورية. إن أمام حكومة السلام الإنتقالية التأسيسية (حكومة تأسيس) فرصة تاريخية كبيرة لمعالجة فشل الدولة السودانية في بناء نظام تعليمي جيد قادر على المساهمة في معالجة مشكلة السودان والنهوض بالبلاد، وذلك بتقديم نموذج لنظام تعليمي مختلف ومتقدم بما لا يقارن مع نظام التعليم في السودان القديم وهو أمر ممكن. لقد سبق وأن إستمعت لدولة رئيس مجلس وزراء حكومة السلام الإنتقالية الأستاذ محمد حسن التعايشي عندما كان يخاطب أحد مراكز إمتحانات الشهادة الثانوية وهو يطرح فكرة قيام مؤتمر قومي للتعليم، الأمر الذي حملني على التفاؤل. إذ تعتبر هذه الفكرة والمبادرة، إن تم الوفاء بتحقيقها خطوة متقدمة في الإتجاه الصحيح ستساهم في وضع حل جذري لمشكلة التعليم في السودان. لكن قبل ذلك يتعين على حكومة تأسيس توسيع الإطار الوطني والإطار الدستوري للتعليم في السودان الجديد حتى تثبت أنها تؤسس بالفعل لسودان جديد مختلف عن دولة ٥٦، أو بالأحرى السودان القديم. وأقصد بالإطار الوطني هنا إنشاء مجلس وطني للتعليم، وكذلك إنشاء هيئة مستقلة لتطوير المناهج. أما توسيع الإطار الدستوري للتعليم فأقصد به توسيع وتفصيل المادة ٦٣ من الدستور الإنتقالي لجمهورية السودان لسنة ٢٠٢٥م، إذ لا يكفي مخاطبة قضية التعليم كواحدة من أكبر القضايا التأسيسية في ثلاث فقرات فقط من الدستور وبصورة معممة على النحو الوارد في المادة ٦٣ من الدستور.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.