حين يغيب العدل عن التخطيط: دور كبرون وعبدالله في تعميق معاناة النساء بالسكن العشوائي في السودان *(2)

✍️🏽 غاده حسن مردوم

 

 

في لحظة تاريخية يمرّ فيها السودان بأزمة مركّبة من الحرب والانهيار الاقتصادي والنزوح الواسع، تبرز سياسات إزالة السكن العشوائي بوصفها اختبارًا حقيقيًا لعلاقة الدولة بالمجتمع. غير أنّ ما يُطرح رسميًا باعتباره “تنظيمًا حضريًا” و“فرضًا لهيبة القانون”، يتبدّى على الأرض كعملية اقتلاع قسري تُحمَّل كلفتها الاجتماعية والإنسانية للفئات الأضعف، وفي مقدمتها النساء.

من الجانب الثقافي والمعرفي، هناك صدام بين نموذجين: نموذج رسمي جامد يعرف الأرض عبر الخرائط والسجلات، ونموذج اجتماعي حيّ يعرفها عبر الاستخدام والانتماء. في كثير من السياقات الأفريقية، نظّمت المجتمعات الأرض بأعراف وتقاليد مرنة تراعي الحركة والحاجة. تجاهل هذه الأنماط لا يلغيها، بل يدفعها إلى خانة اللاشرعية، ثم يُعاقَب أصحابها.

خطاب السلطة: قانون بلا سياق

قانونيًا، تملك الدولة حق تنظيم استخدام الأرض، لكن هذا الحق مقيّد بالتزامات واضحة: حماية حق السكن، ومنع الإخلاء القسري دون ضمانات أو توفير بدائل، خاصة في ظل الحرب. وحيث تُنفَّذ عمليات الهدم دون إشعارات كافية أو تعويض، يفقد القانون وظيفته كأداة للعدالة، ويتحوّل إلى غطاء لإجراء يفاقم الإقصاء.

وفي حالة النساء النازحات، اللواتي غالبًا ما فقدن الوثائق أو لم يمتلكنها أصلًا، تُطبَّق معايير ملكية لا تعترف بواقعهن، فيُقصين قانونيًا مرتين: من الحق، ومن وسيلة الإثبات.

ينطلق خطاب المسؤولين—ومنهم كبرون وعبدالله—من مقاربة قانونية صارمة، تُؤطِّر السكن العشوائي بوصفه “مخالفة” ينبغي إزالتها. تتكرر في تصريحاتهم مفردات من قبيل: “سيادة القانون”، “تنفيذ المخططات الهيكلية”، و“عدم التهاون مع التعديات”، ويُقدَّم ذلك في سياق السعي إلى إعادة تنظيم العاصمة الخرطوم وضبط الفضاء العمراني.

غير أنّ هذا الخطاب، على تماسكه الظاهري، يعاني من قصور بنيوي؛ إذ يفصل بين القانون وسياقه الاجتماعي، ويتعامل مع النتائج دون مساءلة الأسباب. فالسكن العشوائي في السودان ليس انحرافًا طارئًا، بل نتاج مباشر لسياسات فشلت في:

توفير بدائل سكنية عادلة

إدارة النزوح الناتج عن الحروب

تحقيق الحد الأدنى من العدالة الاقتصادية

ما وراء الإزالة: جذور الأزمة المغيّبة

إن اختزال القضية في بعدها القانوني يُفضي إلى قراءة مبتورة للواقع. فالأحياء العشوائية نشأت في ظل:

نزوح قسري واسع بسبب الحرب

تفكك اقتصادي حاد

غياب التخطيط الاستباقي

تراجع دور الدولة في الرعاية الاجتماعية

وبذلك، فإن عمليات الإزالة—كما تُنفَّذ—لا تعالج المشكلة، بل تعيد إنتاجها في أشكال أكثر خطورة.

النساء: مركز التهميش ومضاعفة الأثر

تقع النساء في قلب هذه المعادلة المختلّة، لا باعتبارهن فئة متأثرة فحسب، بل بوصفهن العمود الفقري لاستمرارية الحياة داخل هذه المجتمعات.

1. انهيار الأمان

المنزل، في سياق الهشاشة، ليس مجرد مأوى، بل فضاء للحماية. هدمه يعني تعرية النساء أمام:

العنف المجتمعي

انعدام الخصوصية

فقدان الاستقرار النفسي

2. التعرّض للمخاطر المركّبة

في غياب بدائل فورية، تُدفَع النساء إلى أوضاع أكثر خطورة، تشمل:

المبيت في العراء أو مراكز إيواء غير آمنة

التعرّض للاستغلال الاقتصادي أو الجنسي

الاعتماد على شبكات دعم غير مستقرة

3. العبء المعيشي المضاعف

تتحمّل النساء مسؤوليات متراكمة:

إعالة الأسرة في ظل غياب الرجال

تدبير الموارد الشحيحة

رعاية الأطفال في ظروف قاسية

ومع الإزالة، تتحول هذه المسؤوليات إلى عبء وجودي.

شهادات تُفكّك الخطاب

“لم نكن نبحث عن مخالفة القانون، بل عن مكان نحتمي فيه من الحرب.”

“حين هُدم البيت، لم نخسر جدرانًا فقط، بل خسرنا الأمان.”

هذه الشهادات لا تعكس حالات فردية، بل تكشف نمطًا من المعاناة الجماعية التي يغيب صداها عن الخطاب الرسمي.

كبرون وعبدالله: بين الشرعية القانونية والمساءلة الأخلاقيه

إن تمسّك كبرون وعبدالله بخطاب قانوني مجرّد، دون إدماج البعد الاجتماعي، يطرح إشكالية جوهرية:

هل تكفي الشرعية القانونية لتبرير نتائج غير عادلة؟

فالسياسات التي تُنفَّذ دون:

ضمان بدائل سكنية فورية وملائمة

إشراك المجتمعات المتأثرة، خصوصًا النساء

مراعاة ظروف الحرب والنزوح

تتحول من أدوات تنظيم إلى آليات إقصاء.

التخطيط العادل: الغائب الأكبر

جندريًا، أي من منظور النوع الاجتماعي، تقع النساء—وخاصة النازحات—في قلب الأزمة. فهن الأكثر اعتمادًا على القرب المكاني لشبكات الدعم والمساندة والخدمات، والأشد تعرضًا للمخاطر عند التهجير. لذلك، فإن الهدم دون بدائل لا يكون محايدًا؛ بل يضرب النساء تحديدًا، ويضاعف أعباء الحياة عليهن، ويعرّضهن وأسرهن للمخاطر.

التخطيط العمراني، في جوهره، ليس هندسة للمكان فقط، بل إدارة للعلاقات الاجتماعية داخله. وعندما يُختزل في إزالة “المخالفات”، يفقد بعده الإنساني.

في السودان، تبدو الحاجة ملحّة لإعادة تعريف التخطيط بحيث يقوم على:

العدالة الاجتماعية لا الانضباط الشكلي

الحماية لا الإقصاء

الإدماج لا الإزالة

خاتمة

حين يغيب العدل عن التخطيط، يتحول القانون إلى أداة قسر، وتتحول السياسات إلى مصدر للمعاناة.

ليست القضية عشوائيات يجب إزالتها، بل مواطنون—في مقدمتهن النساء—نازحات قبل وبعد الحرب يجب حمايتهن. فالتخطيط الذي لا يرى الناس ولا يعترف بواقعهم ليس تخطيطًا، بل سياسة إقصاء تُواجه بتقنية. والعدالة تبدأ حين نُساوي، ويتقدّم حق البقاء على وهم وهوس الخطوط على الخرائط، والتخطيط بنموذج تفكير—أو “بردايم”—المستعمر القديم.

وبين قرارات كبرون وتصريحات عبدالله، تقف آلاف النساء في الخرطوم على هامش الحماية، في مواجهة واقع لا يعترف بهن إلا كـ“مخالفات”.

إن إنصاف هؤلاء النساء لا يبدأ بإعادة بناء المنازل فقط، بل بإعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع—على أساس العدالة، لا الإزالة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.