حديث الأربعاء مع يوسف كوَّة مكِّي (2 من 4)

الدكتور عمر مصطفى شركيان

 

[email protected]

أيُّها الجاموس المسجي، تعال إلينا مع تباشير الخريف
فالغابة والنَّهر وعجول القبيلة كلهم جميعاً بانتظارك في موسم البذر
نداءات الفرح معطَّلة ومهجورة حتى تعود
يخيف خوارك الثيران المخنَّثة وأبقار الزِّينة
وغداً يذهب الغرباء
ويبقى نسيم الوادي يُغسل أحزان القبيلة

نشيد القبيلة المقدَّس الذي ردَّده مقاتلو أقار بعد مصرع زعيمهم مايين ماثيانق في 21 تموز (يوليو) 1902م في منطقة رمبيك

محادثات السَّلام بين الحركة الشعبيَّة وحكومة السُّودان

إنَّ الحركة الشعبيَّة والجيش الشعبي لتحرير السُّودان في جميع أدبياتها المختلفة ذكرت أكثر من مرة أنَّها رفعت السِّلاح لتحقيق بعض الأهداف، لكننا نؤمن بأن السِّلاح ليس هو السبيل الوحيد (Not the only way out)، وبالتالي فتحنا أبوب المحادثات السياسيَّة كسبيل آخر لتحقيق هذه الأهداف والوصول إلى الحلول المرضيَّة؛ ولكن – بكل أسف وأسى – يعاتبنا رفاقنا في التجمُّع الوطني الديمقراطي بالتساؤل: لِمَ تتحادث الحركة الشعبيَّة مع الحكومة السُّودانيَّة؟ بيد أنَّنا لم نشرع في المحادثات مع الحكومة السُّودانيَّة منذ اليوم أو الأمس، بل قد بدأت العمليَّة التفاوضيَّة مع أيَّة حكومة قائمة في الخرطوم منذ العام 1985م – بدءً بكوكادام في أثيوبيا العام 1986م ومع الأحزاب السياسيَّة – على انفراد منهم أو اجتماع بينهم – ونعتبر هذا كله مجالات لتناول مشكلاتنا السُّودانيَّة حتى نستطيع، على الأقل، الوصول إلى الحلول المقبولة؛ لذلك لم تقفل الحركة الأبواب على مصاريعها في طريق المحادثات السياسيَّة.
أما فيما يختص بالحكومة الحاليَّة – ومع إيماننا أنَّها حكومة عقائديَّة، ومن الصعب جداً أن تتعامل مع أشياء قد تكون خارج نطاق عقيدتها – إلا أنَّنا، على الإطلاق، لم نصد أبواب التفاوض، لذلك كانت هناك من الجولات التفاوضيَّة ما هي كثيرة، غير أنَّني سوف أبدأ بمحادثات أبوجا الثانية التي انعقدت في 26 نيسان (أبريل) 1993م في العاصمة النيجيريَّة الجديدة يومئذٍ، أبوجا، لأنَّها أول محادثات سلام مع هذا النِّظام كان لي الشرف في المشاركة فيها. بالطبع والطبيعة، فإنَّ الإعلام السُّوداني كان له دور رائس في إفشال المحادثات؛ وبالمناسبة، علينا أن نعترف كحركة شعبيَّة أنَّنا اندحرنا إعلاميَّاً أمام هذا النظام “الإنقاذي”، لأنَّنا لم نستطع مجاراته، وإنَّه لحكومة إعلام أكثر من أي شيء آخر، وأكثر من أي نظام مضى، فهم ما زالوا يَكذِبون على أنفسهم ويكذِّبون على النَّاس حتى يصدِّقون كذبهم على أنفسهم وتكذيبهم على النَّاس.
على أي، ففي أبوجا لم يستطع وفدا الحكومة السُّودانيَّة والحركة الشعبيَّة إحراز أي تقدُّم يُذكر في بادئ الأمر. فالمحادثات كانت أشبه ﺒ”حوار الطرشان”، أي ما يُعرف في السُّودان بعبارة “هلال ومريخ”، وتبادل الوفدان من اللُّغة ما هو أشدَّ كثافة وصفاقة، وذلك لمدى ثلاثة أيام حسوماً دون الوصول إلى نتائج، والأغرب في الأمر حين يتم رفع الجلسات يخرج أعضاء الوفدين وتبدأ المصافحة والمعانقة، حتى اندهش النيجيريُّون، وقال قائلهم: ما لهؤلاء القوم يتشاجرون فيما بينهم في قاعات الجلسات، وعند خروجهم تعمهم الفرحة والبهجة! وقال يوسف: ألم أقل لكم إنَّ المجتمع السُّوداني لفريد. وأخيراً توصَّلنا إلى قناعة راسخة بأنَّه إذا استمر الأمر هكذا فسوف لم نحرز أي تقدُّم في أي شيء. وهنا جاءت فكرة تكوين مجلس الكبار (The Council of Elders) من وفدي الحركة الشعبيَّة والحكومة السُّودانيَّة، ومثَّل الحركة في هذا المجلس القائد يوسف كوَّة مكِّي، القائد سلفا كيير ميارديت، والقائد دينج ألور؛ ومن جانب الحكومة كان العميد (معاش) محمد الأمين خليفة والدكتور علي الحاج محمد، حتى يتسنَّى مناقشة الأجندة بهدوء وسكينة دون اللجوء إلى مهاترات ومشاجرات لا تغني ولا تسمن من جوع.
بعد اجتماعات ماراثونيَّة، وصل مجلس الكبار إلى نتائج ملموسة. وفي الحق، إن أرادت هذه الحكومة “الإنقاذيَّة” أن تصل إلى حل لمشكل الحرب الأهليَّة في السُّودان لقبلت بما توصَّلنا إليه من نتائج في أبوجا الثانيَّة. أولاً، اتفقنا أنَّنا كحركة شعبيَّة لا يمكن أن نفرض الدستور العلماني عليهم، وبالمثل على الحكومة السُّودانيَّة ألا تفرض الشريعة الإسلاميَّة علينا؛ لذلك قسَّمنا السُّودان إلى منطقتين: مناطق حرب (الجنوب والنيل الأزرق وجنوب كردفان) أو الولايات الجنوبيَّة، ومناطق سلام (تحت سيطرة الحكومة) – أي شمال خط عرض 13 درجة شمالاً. وهنا أتذكر حديث الدكتور جون قرنق لوفد الحركة الشعبيَّة قبيل السفر إلى أبوجا، إذ قال – وبالحرف الواحد – يجب ألا تتمسَّكوا بالألفاظ، أي كما تقول الفرنجة (Let us not stick to words)، فالمهم في نهاية الأمر أن تصل النَّاس إلى نتائج، وهذا هو الهدف الرئيس، وهكذا توصَّلنا إلى أشياء كثيرة مع رجلي النظام – الدكتور على الحاج محمد والعميد (معاش) محمد الأمين خليفة – كان فحواها أن يكون هناك دولتان كونفيدراليتان، وحكومتان، وجيشان؛ ثمَّ نشترك في الحكومة المركزيَّة أو المجلس القومي بجانب حكومتنا، ومن ثَمَّ على الحكومتين تشكيل الحكومة الكونفيدراليَّة وتكون الرئاسة دوريَّة. وفي هذه الأثناء، أي في المرحلة الانتقاليَّة، تتوقَّف الحرب، ويستمر الحوار بين الجانبين، وتكون الغلبة لمن يقنع الآخر والاتفاق على شيء، أو هكذا يكون العيش.
وفي خضم المحادثات تسلَّم وفدا الحركة الشعبيَّة والحكومة السُّودانيَّة مذكِّرة نيجيريَّة لإحلال السَّلام في السُّودان. إذاً، بِمَ أتت به المذكِّرة النيجيريَّة؟ تركَّزت المذكِّرة النيجيريَّة على إجراءات الفترة الانتقاليَّة ﻟ”تهيئة جو ملائم لبناء الثِّقة يمنح سلطات خاصة لأقاليم البلاد وإتاحة فترة من الوقت تتوقَّف خلالها الأعمال العدائيَّة ويعم الأمن والاستقرار. وهي أيضاً فترة تُبذل فيها جهود واعية لإعادة البناء، وإعادة توطين المتضرِّرين في المناطق المتضرِّرة”. وفي نهاية الفترة الانتقاليَّة سيكون السُّودانيُّون قد اقتربوا من حل المشكلات، وإقامة دولة موحَّدة وآمنة تنال فيها كل الأقاليم حقها في الانتماء، وبعد ذلك سيختار السُّودانيُّون دستوراً يتفقون عليه ليحكم العلاقة بين الأطراف (والمركز) في المستقبل. وتأتي هذه الإجراءات الانتقاليَّة في إطار السُّودان الموحَّد الذي يتبع نظاماً فيديراليَّاً في الحكم حسب المبادئ الآتية:
(1) يجب أن تكون للسُّودان بنية سياسيَّة تحافظ على وحدته، وتعترف بتعدُّده وتنوُّعه.
(2) يضمن السُّودان حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر الدِّينيَّة للجميع، ورغم ذلك فإنَّ تطبيق الشريعة الإسلاميَّة في الفترة الانتقاليَّة سيعلَّق في الجنوب فيما يخص غير المسلمين، وإنَّه ليشمل غير المسلمين في الشمال.
(3) يضمن لمواطني السُّودان ما يأتي: حريَّة المشاركة في النشاط السياسي والاقتصادي في البلاد، والمساواة أمام القانون.
(4) يجب أن تكون هناك قسمة حقيقيَّة للسلطة بين المركز والأقاليم.
(5) تعتبر اللُّغتان العربيَّة والإنجليزيَّة اللُّغتان الرَّسميتان في البلاد إبَّان الفترة الانتقاليَّة.
(6) تقبل الأطراف مبدأ ميثاق فيديرالي وتطبِّقه في توزيع الوظائف العامة والخدمات العامة في البلاد.
(7) إعداد آليَّة لإقامة قضاء مستقل.
(8) إعلان عفو عام بنص قانون لتشجيع إعادة توطين السكان في المناطق المتضرِّرة من النُّزوح.
وفي البند الخاص بإدارة الجنوب في الفترة الانتقاليَّة وعلاقته بالشمال ورد فيه ما يأتي:
1) على حكومة السُّودان أن تقر قانوناً عبر القنوات الاشتراعيَّة الصحيحة لتشكيل حكومة إقليميَّة تتمتَّع بالحكم الذاتي في الجنوب؛ ويجب أن يُبنَى هذا القانون على المبدأين التَّاليين:
(1) لامركزيَّة الجهاز الإداري للجنوب.
(2) مشاركة المواطنين في ممارسة السلطة السياسيَّة.
2) وفقاً لهذا القانون يشمل جنوب السُّودان المناطق التي تتفق عليها الأطراف المتفاوضة، وسيحكمه نظام حكم ذاتي في إطار سودان موحَّد. وستكون للجنوب أجهزته التشريعيَّة، والحكوميَّة، والقضائيَّة الخاصة. كما ستكون له موازنة مستقلَّة. وتلتزم هذه الأجهزة بأداء دور محدَّد في مجال اختصاصها، وكل القضايا المتعلِّقة بإدارة المناطق المتضرِّرة من الحرب إبَّان الفترة الانتقاليَّة.
وأشارت المذكِّرة إلى أنَّ الإجراءات الفيديراليَّة التي يجب أن ينص عليها في الدستور ستحدِّد على الحكومة المركزيَّة الفيديراليَّة واجبات محدَّدة تمارس بموجبها صلاحيات مطلقة، ولكن هذه الواجبات ستكون محل تفاوض بين الأطراف “وتقترح أن تكون القضايا التالية التي تحفظ وحدة البلاد من اختصاص الحكومة الفيديراليَّة، وهي: الجنسيَّة، وإقامة الأجانب، والعملة، والجمارك، والتجارة الخارجيَّة عدا تجارة الحدود وبضائع معيَّنة يتصرَّف فيها الإقليم بموافقة المركز، والضرائب على الصادرات، والعلاقات الخارجيَّة والتمثيل الخارجي، والإعلام الخارجي، والهجرة من السُّودان وإليه، واعتماد الاتِّفاقات، وخطوط الطيران، والسكك الحديديَّة، والملاحة الجويَّة والبحريَّة، والجوازات والتأشيرة، والبريد والبرق والهاتف، وديون السُّودان، والأمن، والإرصاد الجويَّة، والمواصفات والمقاييس والمكاييل، والتوقيت، والتنقيب البحري، والإحصاء، ولجنة الانتخابات”. ولاحظت المذكِّرة أنَّ على الحكومة المركزيَّة والجهاز الاشتراعي المركزي ألا يصدرا أيَّة قوانين ذات طبيعة ثقافيَّة أو دينيَّة محضة بغرض فرضها على غير المسلمين.
ونصَّ الاقتراح على أنَّ حكومة الجنوب “يجب أن تملك صلاحيَّة التشريع في المسائل المتداخلة بين المركز والجنوب، وتشمل: التعليم، وجمع الضرائب، والتنمية الاقتصاديَّة، والتجارة مع الدول المجاورة، والنشاط التبشيري والإنساني، والمصارف، وإعادة التوطين، وإنَّها تملك صلاحيَّة إقامة نظام قضائي حتى على مستوى المحكمة العليا، وإدارة الحكم في المحافظات، وإصدار القوانين الخاصة بالنظام العام داخل الجنوب في كل القضايا عدا المخصَّصة للحكومة الفيديراليَّة. وتناولت المذكِّرة إقامة إدارة مؤقَّتة في جنوب البلاد حسبما جاء في النِّقاط الآتية:
(1) تُشكَّل في جنوب البلاد إبَّان الفترة الانتقاليَّة حكومة مؤقَّتة للجنوب.
(2) على الحكومة الفيديراليَّة توفير التمويل اللازم لبدء الحكومة المؤقَّتة عملها على أن تعد الأخيرة موازنتها الخاصة.
(3) أن تكون للحكومة المؤقَّتة في الجنوب أجهزة تشريعيَّة وتنفيذيَّة وقضائيَّة.
(4) سيكون الحفاظ على الأمن إلى حد كبير من اختصاص الحكومة المؤقَّتة.
(5) على الحكومة المؤقَّتة للجنوب تشكيل القوَّات المسؤولة عن حفظ النظام في الجنوب.
وأوضحت المذكِّرة أنَّ الحكومة المؤقَّتة ستُشكَّل من رئيس تنفيذي وعدد من الوزراء، وأضافت أنَّه سيُترَك ل”الحركة الشعبيَّة والجيش الشعبي لتحرير السُّودان” أمر اختيار الرئيس التنفيذي للجنوب” بالتشاور مع قيادة الجيش الشعبي والقوى السياسيَّة الأخرى في الجنوب. واقترحت الورقة النيجيريَّة – فيما اقترحت – قيام “جهاز تشريعي في الجنوب إبَّان الفترة الانتقاليَّة يُسمَّى المجلس الاستشاري وتُكوَّن عضويَّته من الحركة الشعبيَّة والجنوبيين الآخرين داخل البلاد وخارجها، على أن يكون بعض الأعضاء منتخباً، والبعض الآخر معيَّناً، وأن يحدِّد القانون عددهم”. وعن وضع القوَّات العسكريَّة خلال الفترة الانتقاليَّة أوضحت الورقة النيجيريَّة أنَّ إدارة الجيش الحكومي وقوَّات الجيش الشعبي ستكون منفصلة، وأن تتولى لجنة وقف إطلاق النَّار الإشراف على سبل استيعاب تلك القوَّات في الجيش النظامي، وتحديد حجم قوَّات الجيش الشعبي والجيش الحكومي التي ستبقى في الجنوب وعدد الجنوبيين الذين سيستوعبون في الجيش الحكومي عموماً إثر الفترة الانتقاليَّة.

للمحاضرة بقيَّة،،،

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.