من ينتظر أن تتحول الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال SPLM-N إلى وليمة دسمة في مائدة السودان القديم سيطول انتظاره

N̰âgû Sasaborno N̰âgû Jammba(Habo)*

 

 

انبرى علينا في هذه الأيام أقلام السودان القديم جراء التناقضات الثانوية التي حدثت في الحركة الشعبية، وبالتحديد في مقاطعة هيبان، وهو مخالفة بعض ضباط الجيش الشعبي قرارات رئيس هيئة الأركان وقيامهم ببعض الأعمال العدائية، وما ترتب عليها من تداعيات اجتماعية وعسكرية وسياسية واقتصادية، لتصبح مادة دسمة للدولة المركزية وحلفائها، مستغلين ذلك وساعين ليلاً ونهاراً لتحقيق أمانيهم التي فشلوا في تحقيقها قبل أربعين عاماً ضد الحركة الشعبية ورؤيتها، وهو هزيمة الحركة الشعبية والصلاة في كاودا، تحقيقاً لأمنية قائد العصابة الإسلامية عمر البشير!
ما نسعاه هنا ليس وصف وشرح ما حدث هناك في الأرض وما هي طبيعته، لأن كل هذه الوقائع يمكن للمهتمين الوصول إليها في الموقع الرسمي للحركة الشعبية، وقد أوضحت الحركة منذ اليوم الأول للأحداث طبيعتها وأطرافها ومساعيها للحل حسبما تقتضيه طبيعة الثورة وأهدافها الثورية، وأصدرت عدة بيانات وتعميمات صحفية.
ما يهمنا نحن هنا في هذا المقال هو تشريح خفايا أقلام السودان القديم، وكيف طفت على السطح بعد الأحداث مثل الطفيليات، تصرخ بأمانيها، وكيف تستغل الأحداث وتخدم أغراضها، على سبيل المثال لا الحصر: الجلابة، مبارك أردول، أحمد شموخ… الخ.

*أولاً: نبدأ بتعريف الثورات وبنيتها بشكل موجز.*

الثورة هي فعل تغيير جذري وانتقال نوعي سريع في بنية السلطة المهيمنة المسيطرة، تقوم به الجماهير الواعية بمختلف درجات تهميشها ووعيها بالمصير، لإسقاط نظام قائم والإتيان بنظام جديد يختلف كلياً عن البنية القديمة، وهدفها السعي للأفضل وفق قانون الجدل التاريخي. ولا توجد ثورة بلا تحديات وتناقضات، فهي عملية مغامرة لا مقامرة.

بينما عرّف الثائر المسلح توماس سانكارا “بأن الثورة هي أن ترفض أن تعيش كما عاش آباؤك العبيد”.

بينما عرّف باتريس لومومبا الثوري الإفريقي الكونغولي “الثورة هي أن تنتزع قلم كتابة التاريخ من يد عدوك وتكتب به مصيرك”.

لذا انطلقت ثورة الحركة الشعبية في 16 مايو 1983م هدفها الاستراتيجي اقتلاع عصابة السودان القديم وبناء السودان الجديد. وحددت بوضوح التناقض الأساسي المتمثل في “السودان الجديد & مواجهة السودان القديم”، وهدفها السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي، وضرورة معالجة جذور المشكلة التاريخية للمشكلة السودانية، وتطلب ذلك تغيير بنية الدولة وليس مجرد إسقاط السلطة أو تسلل طبقي وإيجاد موطأ قدم في بنبر التوظيف “الترميز التضلي”. وغايتها الحرية والكرامة الإنسانية، وشرعيتها من الشعب “العقد الاجتماعي” لا من قوى ميتافيزيقية “دولة التفويض الإلهي”. مستفيدة من تجارب الحركات المطلبية، خطت في مغامرتها الثورية خمس مراحل يمكن حصرها في: مرحلة الوعي، ومرحلة التنظيم، ومرحلة المواجهة، ومرحلة الانتصار، ومرحلة التغيير والبناء والتقدم. مؤكدة وشارحة تحديات كل مرحلة وكيفية مواجهتها، من ضمنها مرحلة المواجهة وتحدياتها المرتبطة بالتحديات الداخلية.

*هناك أضلاع أساسية لأي فعل ثوري:*
1.العقل والوعي والتنوير المستنير حيث قال أميلكار كابرال: “تذكر أن تمرد الأفكار يسبق تمرد الأسلحة”. وتطلب ذلك قيادة موحدة ورؤية ثاقبة. لقد سماه سانكارا “البرنامج الديمقراطي الشعبي”، أما جون قرنق فسماه “السودان الجديد”.
2.الركن العسكري: هي حرب الشعب، لا تهزم ثورة تحولت إلى ضمير الشعب. وقد قال يوماً ماو تسي تونغ: “السمكة تعيش في البحر”، وأردفه جون قرنق: “إن الجيش الشعبي والشعب مثل السمكة والبحر، فالجيش الشعبي سمك والشعب بحر، وحياة الجيش الشعبي مرتبطة بالشعب مثلما ترتبط حياة السمك بالبحر”.
3.الإرادة السياسية وبناء علاقات إنسانية وحلفاء، والتعلم من دروس التاريخ والتعليم والتعلم المستمر.
4.لثورة تبدأ بالأقلية وتنتهي بالأغلبية، تبدأ بـ 100 مناضل وتنتهي بـ 30 مليون او أكثر .
5.العدو يوحد المتناقضات الداخلية، أي القبلية والجهوية والدينية تختفي حين ندرك التناقضات الأساسية والاستعمار.
6.لكل ثورة لحظة، قالها كابرال “نقطة اللاعودة” – وهي اللحظة التي يبقى فيها الرجوع إلى الماضي مستحيلاً. وغير ثورة الحركة الشعبية، فهي لا يمكن أن تعود إلى الوراء مهما كانت التحديات والتناقضات.
7.الثورة تأكل أبناءها إذا لم تبن دولة*، أي ضرورة إسقاط النظام ليس وحده كافياً، بل ضرورة ما يجب فعله بعد الإسقاط وعدم تكرار التجارب القديمة من الفشل الذي ثار ضدها الثوار، أي تجريب المجرّب.

*ثانياً: دعوني هنا أوضح نقطة مهمة: كيف واجهت الحركة الشعبية تحديات وتناقضات مشابهة لما تواجهه اليوم، ولكنها خرجت منتصرة رغم التحديات.*

في أواخر التسعينات من القرن المنصرم كانت الحركة الشعبية تعيش أقوى انتصاراتها العسكرية في كافة الأقاليم التي وطأت قدمها: جنوب السودان، جبال النوبة، إقليم النيل الأزرق، دارفور. ساعتها حدث تناقض ثانوي وهو تمرد رياك مشار ولام أكول في جنوب السودان وانضمامهم لمعسكر الخرطوم، وتمرد محمد هارون كافي وعوض الكريم كوكو من جبال النوبة وانضمامهم للخرطوم أيضاً، ودعوتهم للثوار في جبال النوبة للتخلي عن الثورة ومباركة السودان القديم!

يحكي القائد جون قرنق تلك الحقبة التاريخية بوضوح في كتابه “دكتور جون قرنق ورؤيته للسودان الجديد 2005” تحرير واثق كمير، تحدث جون قرنق عن صعوبات وتحديات وتناقضات النضال التي واجهت الحركة الشعبية لتحرير السودان في عام 1991، وهي انشقاق ناصر بقيادة رياك مشار وانضمامه إلى الجبهة الإسلامية وتوقيعهم اتفاقية الخرطوم للسلام وتحولهم جزءاً من حزب المؤتمر الوطني، وتحايل المركز بإعطائهم استقلال جنوب السودان كمناورة سياسية لسحب البساط من الحركة الشعبية بقيادة جون قرنق وتضليل الجنوبيين بأن أهم مطالبكم التي تناضلون من أجلها مع جون قرنق وهي تقرير المصير لقد تم تضمينها في وثيقة الخرطوم للسلام، ولا يوجد مبرر للاستمرار في النضال والموت في سبيل هدف تم إقراره في الاتفاق!

تضللت مجموعات كبيرة من الجيش الشعبي وعضوية الحركة، ولعبت عوامل التناقضات الثانوية بين المهمشين “القبيلة، والدين، والجغرافية” دوراً في اتخاذ خيارات خاطئة، واستغلت الحكومة الحالة النفسية للمواطنين وقامت بدعاية إعلامية وتعبئة كبيرة، ووجدت دعماً من حلفائها الإقليمية والدولية، بالإضافة إلى مكاسب إخراج البترول وسقوط نظام مانجستو في إثيوبيا الحليف التاريخي للحركة، وشنت الجبهة الإسلامية هجمات ضد الجيش الشعبي أدت إلى فقدان معظم الأراضي المحررة لصالح جيش الحركة الإسلامية، بما فيها رئاسة الجيش الشعبي التاريخية في توريت، ولم يتبق للجيش الشعبي سوى جيوب صغيرة في أقصى شرق الاستوائية وجنوبها، وانقطع التواصل مع الفرقة الرابعة والخامسة في جبال النوبة والنيل الأزرق. وذكر جون قرنق أن الواقع أفرز وضعاً سيئاً للغاية، ورفاق الأمس تحولوا أعداء اليوم ويقاتلون مع الجبهة الإسلامية ضد مشروع السودان الجديد، وينتقدون أن جون قرنق وحركته مجرد دمية مرتهنة لإسرائيل، وأن جون قرنق يرفض السلام وحقوق الجنوبيين وهو يسعى فقط لزعامته الشخصية على حساب القضية التي يزعم الدفاع عنها!
وعاشت جبال النوبة في عزلة تامة، انقطاع الإمداد، وتمرد مجموعة محمد هارون كافي وعوض الكريم كوكو ويونس أب صدر، وحملات عسكرية كبيرة من الجلابة وعبيد المنازل ضد يوسف كوة وقيادته العسكرية المتمسكة برؤية السودان الجديد. وقالوا إن يوسف كوة رهن الحركة الشعبية للجنوبيين، ونحن النوبة لا علاقة لنا بجنوب السودان، علينا البحث عن مصالحنا، ووقعوا اتفاق جبال النوبة للسلام وانضموا للخرطوم وأصبحوا الذراع الاجتماعي والسياسي والثقافي للجلابة في جبال النوبة.
وكانت الحكومة تدرك أن تضمينها باستقلال جنوب السودان واتفاق جبال النوبة للسلام مجرد حيلة أرادت بها سحب الثقة وضرب الحركة الشعبية مع الجماهير. ومضى الزمن وسطعت الحقيقة بأن الحركة كانت في الاتجاه الصحيح ولن تتخلى عن مبادئها وأهدافها الثورية. وقامت الحركة بإعادة تنظيم صفوفها وهاجمت مدينة جوبا عاصمة الاستوائية الوسطى في عام 1992، وفرت جيوش الحركة الإسلامية من مئات المناطق، واستعادت الحركة عافيتها وواصلت النضال. وعادت مرة ثانية مجموعة الناصر وطلبت الانضمام للجيش الشعبي، وهم نفس المجموعات التي أرادت إنهاء الجيش الشعبي لتحرير السودان، وقبل جون قرنق والحركة الشعبية بالرفاق العائدين، بينما رفض استقبالهم آلاف الرفاق ومناصرو الحركة الشعبية بل اعتبروه خيانة لدماء الرفاق الذين سقطوا على أيدي مجموعة الناصر والحركة الإسلامية. ولكن معطيات المرحلة كانت أكبر من النظرة المثالية في ظرف غير إيجابي، وهكذا انتصر السودان الجديد، ولم تبيع الحركة مبادئها وأهدافها، ولم يستطع من تركوا الحركة تغيير مسارها الصحيح ودفنها من الوجود. تأخر القطار ولكن لم يضل الطريق.
لذا فاليوم ما تواجهه الحركة في جبال النوبة من تناقضات لا يختلف كثيراً عما حدث في الماضي، رغم تباين وجهات النظر وآراء القائمين بأمر إشعال الأحداث والرافضين لقرارات المؤسسات الرسمية، فالقاسم المشترك هو خدمة المركز بالمجان. ويمكن للجميع معرفة ذلك: أي جهة هي التي تدعمها المركز وإعلامها وتتمنى لها الانتصار!
فالفئة التي تساندها المركز هي الفئة التي تكرر تجربة 1991 بوعي منها أو دون وعي، بغض النظر عن المظالم. وموقفنا هو رفض الظلم للآخرين وللجميع، وأن لا تتوجه بندقية الجيش الشعبي إلا للعدو التاريخي وحلفائه.

فالوعي الثوري يتطلب أن لا يوجه الثائر سلاحه ضد رفيقه الثائر، وخاصة إذا أدرك أن سلاحه عربون مجاني للسودان القديم!

*ثالثاً: النظم الحاكمة المهيمنة المسيطرة على مر التاريخ لديها استراتيجيات معدة للثورات، منها الآتي:*
1.سياسة الجزرة والعصا: الإغراء مقابل القمع الهدف: شراء الانتهازيين وكسر المتمسكين بالرؤية. أمثلة: في الكونغو عرضت بلجيكا على لومبا منصب رئيس وزراء ولكنه رفض وتمسك بقضيته وتم اغتياله.
وفي جنوب أفريقيا عرض نظام الأبارتايد على مانديلا “الإفراج المشروط” لو اعترف بالحكومة، ولكنه رفض وقال: “الحر لا يبيع حريته”.
في بوركينا فاسو قال سانكارا: “يأتون لك بحقيبة مال ويقولون لك: انسَ الشعب”.
2.سياسة فرق تسد: زرع الفتنة. الهدف: جعل الثوار يتقاتلون بينهم. أمثلة: في الجزائر دعمت فرنسا “الحركى” الجزائريين ضد FLN وقالت “دي حرب أهلية”. وفي زيمبابوي دعمت بريطانيا زابو ضد زانو، والاثنين ضد موغابي. وفي رواندا صنع الاستعمار البلجيكي عداوة “هوتو وتوتسي” وانتهت بإبادة. وقد رد عليهم كابرال يوماً: “احذروا، العدو يريد أن يجعلنا قبائل. ونحن شعب”.
3.سياسة التشويه الإعلامي: الهدف تصوير الثوار إرهابيين ومجانين، هو “القتل الرمزي” كما يجري هذه الأيام من أردول وجماعته في اغتياله المعنوي للقادة: الحلو، عزت كوكو، يعقوب اللامين… الخ.
في التاريخ الغرب سمى مانديلا إرهابياً حتى 2008 كان في قائمة الإرهاب الأمريكية، وسموا سانكارا “ديكتاتور مجنون” لأنه منع البدل والكرفتات في بوركينا فاسو وقال: “نأكل مما نزرع ونلبس مما نصنع”. وسموا لومومبا “شيوعي خطر” عشان أمريكا توافق على قتله. وقد قال نيريري: “إذا قالوا عنك إرهابي فاعلم أنك أوجعتهم”.
4.سياسة الإصلاحات الشكلية: الهدف إعطاء فتات عشان الناس تهدأ. أمثلة: في حرب فرنسا في الجزائر “دستور 1947” أعطى برلماناً بلا صلاحيات. وكذا بريطانيا في كينيا “حكم ذاتي” قبل الاستقلال الكامل. وهي شبيهة بالحكم الإقليمي لمناوي لدارفور والحكم الذاتي لجبال النوبة وإقليم النيل الأزرق في اتفاق جوبا. وسماها نكروما “الاستعمار الجديد – علم أسود + وزير أسود + أوامر بيضاء”. بينما سماها دكتور أبكر في كتابه جدلية المركز والهامش”الترميز التضليلي”، أي المركز يوظف أحد أبناء المهمشين في السلطة وجماعات المهيمنة دون تغيير في بنية السلطة. وأيضاً وصفه القائد عبد العزيز آدم الحلو: “بزراعة مجانية في مزرعة السيد المهيمن المسيطر”.
5.سياسة الإنهاك والحصار: الهدف تجويع الشعب عشان يكره الثورة.
أمثلة: في موزمبيق دمرت روديسيا وجنوب أفريقيا المدارس والمستشفيات عشان الناس تقول “فريليمو جابت لنا الفقر”. وفي بوركينا فاسو أوقفت فرنسا المعونات بعد استلام سانكارا السلطة. وفي زيمبابوي فرضت عقوبات على موغابي بعد استرجاع الأرض من البيض.
وواجهها سانكارا بـ “نأكل مما نزرع ونلبس مما نصنع”.
6.سياسة الاغتيال الجسدي والرمزي: الهدف “اقتل الرأس + امسح التاريخ. مثلما يحدث الآن من خطاب السودان القديم: “حلو وعزت كوكو… الخ، مجرمو حرب يجب محاكمتهم”. فالغرض قتل رمزيتهم ومواقفهم الثورية تجاه التغيير، ويعلمون أنهم بذلك لا يغتالون الحلو وعزت ورفاقه في القيادة بل يغتالون الثورة.
أمثلة: اغتيال جسدي لـ لومومبا، سانكارا، كابرال، ستيف بيكو. اغتيال رمزي: شوهوا سيرة موغابي بعد ما كان بطلاً، واغتيال رمزي وجسدي لجون قرنق. حيث لم يعِ كثير من السودانيين بمكانته وأهمية طرحه إلا بعد اغتياله. وكابرال قال قبل ما يقتلوه: “اخفوا أجسادنا لكن لن تخفوا أفكارنا”.
7.سياسة الترميز التضليلي: الهدف نجيب واحد “منكم” بس خادم لنا. أمثلة: في السودان القديم كثيرة: رياك قاي، نايل إيدام، علي الحاج، كبر، التجاني سيسي، كبشور كوكو، كباشي، أردول، مناوي، تمبور، جبريل، بشير، هارون، بحر كرامة، عقار، أحمد عمدة، كومبرون، آدم هارون، عبود جابر… الخ. تكررت الحيلة في الكونغو: موبوتو بدل لومومبا، وفي غانا تم عزل نكروما وأتوا بعسكر موالين للغرب.
وقد حذر لومبا: “أخطر من الأبيض هو الأسود الذي يفكر بعقل الأبيض”. وهنا نقول تيمناً بقول لومومبا: “أخطر من الجلابي هو النوباوي والدارفوري والفونجاوي والشرقاوي، بالأحرى المهمش الذي يفكر بعقل الجلابي!”
8.سياسة محو الذاكرة والنسيان والتطبيع: الاستراتيجية الأخيرة لجماعة المهيمنة المسيطرة في الحفاظ على سلطتها.
الهدف: محو الذاكرة للأجيال، أي نسيان الممارسات وجذور الصراع السياسي. كما يحدث الآن في السودان بتحويل الصراع الأساسي في السودان كأنه بدأ في 15 أبريل، وأن الأزمة في السودان تزول بزوال الدعم السريع، حين أن الأزمة في السودان أكبر من الدعم السريع بقرابة مائتي عام، أي منذ 1821م.
ويتم استخدام أدوات ووسائل لتحقيق ذلك عبر: المناهج، عزل وتجاهل بطولات الثورة. وفي الإعلام: “خلاص فات الأوان، خلونا نبني”. وفي الاقتصاد: ربط البلد بالمعونات عشان ما تقدر تستقل. وقد فضحه مانديلا وقال: “النسيان خيانة، المصالحة ليست نسيان”. لذا ترى اليوم جماعة المهيمنة المسيطرة في بورتسودان تطلب نسيان كل المآسي التاريخية مقابل الاشتراك في حرب ما أسموه بالكرامة ضد الدعم السريع!
*رابعاً: ما يهمنا نحن بعد معرفة تكتيكات السلطات الحاكمة المهيمنة على مر التاريخ في مواجهة الثورات، هو كيف واجه الثوار تلك التحديات والتناقضات الداخلية وانتصروا عليها حتى تستفيد الحركة الشعبية من ذلك.*

1.الثورة الفرنسية 1789: صراع الفصائل، اليعاقبة vs الجيرونديين vs الملكيين، إعدامات ومجازر داخلية “عهد الإرهاب”، وتمرد في إقليم الفاندي. ولكن روبسبير ونابليون بعدها وحدوا البلد بالقوة، وفكرة “المواطنة” جمعت الناس. وتحولت فرنسا لجمهورية قوية.
2.الثورة الروسية 1917: حرب أهلية 1918-1922 البلاشفة vs الجيش الأبيض مات فيها 10 مليون، ومجاعة وتمرد البحارة في كرونشتادت. قام لين بسياسة شيوعية الحرب والجيش الأحمر + فكرة الاتحاد السوفيتي التي جمعت القوميات. صمدت 70 سنة.
3.الثورة الصينية 1949: حرب أهلية بين الشيوعيين بقيادة ماو والقوميين بقيادة تشانغ كاي شيك، والقفزة الكبرى للأمام والثورة الثقافية. سيطر ماو على الوضع، وحتى جاء دينغ شياو بينغ وعمل إصلاحات اقتصادية فأصبحت الصين أكبر اقتصاد في العالم حالياً.
4.الثورة الكوبية 1959: حصار أمريكي ومحاولات اغتيال لكاسترو وهجرة الكفاءات وأزمات اقتصادية بعد سقوط الاتحاد السوفيتي. ولكن بنى كاسترو نظاماً مركزياً قوياً مسنوداً شعبياً ونظام صحي وتعليم مجاني جعل الناس يتمسكون بالثورة رغم الفقر.
5.ثورة جنوب أفريقيا ضد الفصل العنصري: العنف بين السود أنفسهم ANC vs حزب إنكاتا ومخاوف من حرب أهلية عند سقوط الأبارتايد. اختار مانديلا الكوديسا بدل الانتقام، ولجنة الحقيقة والمصالحة خلت البلد تعيد الإرادة الشعبية.
لذا نقول: إن الجماعة المهيمنة المسيطرة في بورتسودان وحلفاءها وبعض الرفاق المتخاذلين ينشطون بقوة ضد الحركة الشعبية، ولكن ما يجب علمه أننا نقرأ التاريخ ونستفيد منه. لا يمكن أن نعود للوراء أو نقدم هدية مجانية للمركز. نتأثر ونسقط مرة ومرتين ولكن لا نموت، بل نستفيد من أخطائنا وفشلنا ونصلح ونمضي إلى الأمام متمسكين بالرؤية.
وفي هذا الوقت الدقيق من عمر شعبنا ونضال الحركة الشعبية، وما قدمته من تضحيات جبارة، وشعوب مثلت عنواناً ومثالاً للتضحية، تذكروا أن النضال النظيف يبدأ ببداية جيدة ونهاية أجود، أو بداية سيئة ونهاية أجود، ولكن الأمر والمؤلم هو بداية جيدة ونهاية أسوأ!
أما فيما يتعلق بالمركز وحلفائه، أنتم تعلمون ما تحتاجون منا وكيف تتمنون أن ننهزم أمامكم وترقصون على جثثنا، وفي الوقت ذاته تعلمون موقفنا منكم وهو مكتوب بوضوح في المنافيستو وفي قانون الجيش الشعبي: تدمير السودان القديم وتغييره بكافة الوسائل وبناء السودان الجديد.
لذا فالمعركة بيننا وبينكم مفتوحة، والتاريخ حكم بيننا، مع العلم أن التاريخ كعادته انتصر للحرية والعدالة، وأن قانون الحركة والجدل لا يعود للوراء بل يمضي إلى ولادة الأفضل، فالثورة هي الأفضل لبناء المستقبل.
أما رفاقنا المترددون الذين تسطع أقلامهم في أوقات الأزمات ويحاججون ويخافون ويطلبون من الحركة أن تكون دائماً الأفضل في كل الأوقات، ذلك أمل ثوري، ولكن عليكم العلم أنكم الحركة ذاتها. فالحركة لا تحتاجنا في وقت القوة وبريقها الثوري، بل هي تحتاجنا حين تواجهها تحديات وتناقضات النضال وتعصف بمستقبلها ومستقبل التضحيات التي قدمت في سبيل التحرير الأكبر، وفي وقت يظن المركز أن نهاية الحركة قد أوشكت وأنه عبر عملائه قادر على هزيمة الرؤية واستدامة العبودية وكتابة تاريخنا من قصر غردون وتوزيع المصاحف وكراسي السلطة للعملاء!
هذا هو الوقت الذي ندافع عنه بقوة، لأن مستقبل شعوبنا وحريتها وكرامتها وإرادة كتابة تاريخها واستقلالها مرتبط ببقاء الحركة قوية ومتماسكة.
فهذا هو ما تمناه منذ القدم شعوب جبال النوبة وإقليم الفونج الجديد ودارفور ودار مساليت وشرق السودان وأقصى شمال السودان وكافة المهمشين بمختلف درجات تهميشهم.
أما رسالتنا للرفاق المتخاذلين الذين تحولوا للمركز العدو وينشطون هذه الأيام ويكتبون كلمات مدفوعة الثمن، نقول لهم: إنكم تجربون المجرّب وستندمون.
نحن نقرأ كتاباتكم وأنشطتكم ونتذكر ما قاله باتريس لومبا في وصفه لرفاقه المتخاذلين في الكونغو الذين وافقوا على الحكم الذاتي بدل الاستقلال الكامل، حيث وصفهم: “الكلاب التي تعلق أحذية المستعمر، أنتم أسوأ من المستعمر، لأنكم تتكلمون بلساننا وتطعنون بقلبهم”.
بينما تنطبق حالكم على ما وصفهم توماس سانكارا “برجوازية المكاتب المكيفة؛ أنتم مجرد جث تمشي، قلوبكم ميتة، تفضلون كرامتكم في جيوبكم على كرامة الوطن، والمثقف الذي لا ينحاز للشعب هو مجرد عاهرة مثقفة”.
ولكن يكتفي المعلم كابرال في وصفكم وازدرائكم وقال: “البرجوازية الصغيرة المتعلمة أخطر طبقة لأنهم متعلمون ولكن بدون انتماء، هؤلاء يريدون الاستقلال ليصبحوا هم المستعمرين الجدد. ومن يخاف من الكفاح، فليجلس في بيته. الثورة ليست نادي اجتماعي”.
وفي سخرية لاذعة قال عنكم المعلم كوامي نكروما “الخونة” أي الأفارقة الذين يقولون نحن غير جاهزين للحكم بعد المستعمر: “الخونة يرتدون البدلات الغربية ويتحدثون الإنجليزية أفضل من لغتهم”.
بينما وصفكم ستيف بيكو زعيم حركة الوعي الأسود: “المتخاذل هو أسود البشرة أبيض العقل، نحن لا نحارب البيض. نحارب العقل الأبيض الذي في قلوب بعض السود”.
بينما قال عنكم كابرال: “نحن لا نخشى من طائرات البرتغال، نخشى من البرتغالي الذي داخلنا”.
*ختاماً* نقول: إن الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال، بما تمتلكه من خبرة كبيرة ورصيد شعوب حرة في جبال النوبة وإقليم الفونج الجديد ودارفور ودار مساليت وشرق السودان وكافة المهمشين بمختلف درجات تهميشهم، أنها ستخرج منتصرة من تناقضاتها الداخلية وفي معركتها الأساسية، وستبقى نبراساً للحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.
وتبقى ما تواجهه اليوم مجرد ذكرى عابرة من محطات تاريخها الثوري.
والذين يقولون “أنتم غير مؤهلين” من قال إن الإنسان يحتاج شهادة أو إذن من أحد ليكون حراً!

النضال مستمر والنصر أكيد.
الأحد – 9 أغسطس 2026م

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.