
نحو تأسيس قضاء مستقل في دولة علمانية لامركزية
المحامي /سعد منقلا كمبالا 2026/4/12
تحديات التحول وفرص البناء في ظل نظام الأقاليم الثمانية
في مستهل هذه المرحلة المفصلية من تاريخ السودان نتقدم بتهانينا بمناسبة تعيين مولانا إدريس النور شالو رئيساً للجهاز القضائي وبابكر ابكر ادم نائبا لة من قبل المجلس العدلي المؤقت وهي خطوة ذات دلالة قانونية ومؤسسية عميقة تعكس اتجاهاً جاداً نحو ترسيخ استقلال القضاء بوصفه أحد أهم مرتكزات دولة القانون
إن صدور هذا التعيين عن جهة عدلية مختصة يؤسس من حيث المبدأ لنهج مؤسسي يقوم على احترام قواعد الشرعية وسيادة حكم القانون ويعزز من فرص بناء جهاز قضائي مستقل بعيد عن التأثيرات السياسية والتنفيذية وذلك اتساقاً مع مبدأ الفصل بين السلطات كأحد المبادئ الدستورية الراسخة في النظم القانونية الحديثة .
أولاً : طبيعة التحول الدستوري وإعادة تعريف العدالة
تمر الدولة بمرحلة تأسيسية تتسم بتحول جوهري من نظام ذي مرجعية دينية إلى نظام علماني وهو تحول لا يقتصر على تعديل النصوص الدستورية بل يمتد إلى إعادة صياغة فلسفة العدالة ذاتها
فالدولة العلمانية في مفهومها القانوني لا تعني إقصاء الدين من المجال المجتمعي وإنما تقوم على مبدأ حياد الدولة تجاه الأديان وضمان حرية الدين والمعتقد وحظر التمييز على أي أساس ديني أو ثقافي وذلك بما يتسق مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان .
وعليه فإن بناء الجهاز القضائي في هذا السياق تقتضي تبني مقاربة قانونية جديدة قوامها :
_المساواة أمام القانون
_ حماية الحقوق والحريات الأساسية
_ استقلال القضاء كمؤسسة ضامنة للتوازن المجتمعي
ثانياً : تحديات البناء القانوني والتشريعي
يمثل الانتقال من منظومة قانونية ذات طابع ديني إلى منظومة علمانية تحدياً مركباً يفرض جملة من الاستحقاقات القانونية من أبرزها :
_تضمين الأعراف والتقاليد السودانية كمصدر أساسي للتشريع بما لايتعارض مع مبادئ الدستور والمعايير الدولية لحقوق الإنسان
_ بناء وابتدار وقوانين بما يتوافق مع دستور جهورية السودان الانتقالي لعام 2025
_ معالجة التعارض بين القوانين والمبادئ الدستورية
_تجنب الفراغ التشريعي عبر اعتماد مبدأ استمرارية القوانين مع إخضاعها للرقابة الدستورية
_إعادة تأهيل القضاة وأعضاء النيابة العامة لفهم وتطبيق القانون
_ تطوير السوابق القضائية بما ينسجم مع التحول الدستوري
كما تبرز ضرورة الاسترشاد بالمبادئ الدولية لاستقلال القضاء بما في ذلك المعايير المهنية والسلوكية التي تضمن نزاهة واستقلال السلطة القضائية .
ثالثاً : اللامركزية وإعادة تشكيل البنية القضائية
إن تبني نظام لامركزي قائم على ثمانية أقاليم يفرض واقعاً قانونياً جديداً يستدعي إعادة هيكلة الجهاز القضائي بما يتلاءم مع طبيعة توزيع السلطات بين المركز والأقاليم .
وفي هذا الإطار يبرز خيار بناء نظام قضائي متكامل يقوم على :
_ قضاء اتحادي يختص بالمسائل الدستورية والقضايا ذات الطابع القومي
_ قضاء إقليمي يعالج النزاعات ضمن حدود الاختصاص المحلي
_ محكمة دستورية مستقلة تتولى الرقابة على دستورية القوانين وفض النزاعات بين مستويات الحكم .
إن وضوح الاختصاصات القضائية بين هذه المستويات يمثل شرطاً أساسياً لضمان وحدة الدولة القانونية ومنع تضارب الاختصاصات وتعزيز الثقة في العدالة .
رابعاً: دور القضاء في الدولة العلمانية
في ظل دولة تقوم على مبدأ الحياد الديني يضطلع القضاء بدور محوري يتجاوز الوظيفة التقليدية ليصبح الضامن الأول لـ :
_ حماية الحقوق والحريات الأساسية
_صون مبدأ المساواة وعدم التمييز
_ضمان حرية الدين والمعتقد
_ منع تغول أي سلطة على أخرى
فالقضاءفي هذا السياق ليس مجرد جهاز لتطبيق القانون بل هو حارس للنظام الدستوري وضامن للتوازن بين مكونات الدولة والمجتمع .
خامساً : دلالات التعيين وأهمية الدعم المؤسسي
يمثل تعيين رئيس للجهاز القضائي ونائبة في هذه المرحلة الدقيقة خطوة تأسيسية تتطلب دعماً مؤسسياً واسعاً ليس من منطلق التأييد الشخصي وإنما من زاوية تعزيز استقلال المؤسسة القضائية وترسيخ دورها في بناء الدولة .
إن نجاح القيادة القضائية في إدارة هذه المرحلة مرهون بمدى قدرتها على :
_ تكريس الاستقلال المؤسسي
_إدارة عملية بناء الجهاز القضائي
_ بناء ثقة المجتمع في العدالة
_حماية الجهاز القضائي من الاستقطاب السياسي
خاتمة
إن بناء جهاز قضائي مستقل في ظل دولة علمانية لامركزية يمثل تحدياً تاريخياً لكنه في الوقت ذاته يشكل فرصة حقيقية لإرساء دعائم دولة القانون والمؤسسات .
فإما أن ينجح القضاء في هذه المرحلة في أداء دوره كسلطة مستقلة ضامنة للحقوق والحريات ومؤسسة حارسة للدستور وإما أن يتحول إلى نقطة ضعف تعيق مسار التأسيس
وعليه، فإن دعم استقلال القضاء، وتعزيز بنيته المؤسسية والالتزام بمبادئ سيادة القانون يظل السبيل الوحيد لبناء دولة علمانية قائمة على العدالة والمساواةلجميع الشعوب السودانية دون تمييز
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.