
اللغات السودانية الأم في مواجهة الانقراض والإبادة
بقلم : باب الله كجور
توطئة:
يقول الكاتب والأديب والمفكر الكيني نغوجي واثيونغو:
(إذا كنت تفهم جميع لغات العالم وتجهل لغتك الأم، فهذا يعني الاسترقاق، ومعرفة لغتك الأم وجميع اللغات الأخرى أيضًا هو التمكين).
اللغة موهبة إنسانية ونظام متكامل وأداة لنقل الخبرات والمنجزات بمختلف صورها، وتقوم بوظائف نفعية ومرجعية وانفعالية وتفاعلية وتنظيمية، وهي الحامل للثقافة والضامن لاستمرارها وبقائها. وموتها وفناؤها وانقراضها يعني انقطاع موروث ثقافي معرفي للمجتمع. واللغة الأم هي التي يتعلمها الفرد في الطفولة، وعادة ما تكون اللغة التي يتحدث بها في المنزل أو المجتمع، وتكمن أهميتها في أنها تعزز مهارات التواصل والتفكير والابتكار والتماسك الاجتماعي.
ولجميع المجتمعات التي لها لغات أم الحق في التعبير والتحدث والتعلم بها دون حجر أو فرض قيود، وينبغي استخدامها في المؤسسات العامة وحمايتها من التهميش اللغوي.
ومن ينظر إلى الخارطة اللغوية في السودان بتجرد، بعيدًا عن الأهواء والتصورات الأيديولوجية، يجد أن سكان السودان يتوزعون على (65) مجموعة إثنية، ومقسمة بدورها إلى (597) قبيلة وجماعة فرعية، ينحدرون من سلالات حامية وسامية وغيرها، ويتحدثون (115) لغة ولهجة، تُصنَّف – عند علماء اللسانيات – ضمن أسر اللغات السامية، واللغات السودانية الشرقية النيلية الصحراوية (فرع النايل–صحارى)، والنيجر–كردفانية، والنيجر–كونغولية.
فجماعات السلطة “البيداغوجية” المسيطرة والمهيمنة على مقاليد الأمور في هذا البلد المترامي الأطراف، ظلت تعمل، علنًا، على فرض اللغة العربية عبر المؤسسات التعليمية وأجهزة الإعلام ونشرها على أوسع نطاق، على حساب اللغات الأم، بما يحمل في طياته إجبار الناطقين بها على تبني لغة بعينها، باعتبار ذلك خطوة من خطوات الإبادة الثقافية، بغرض إنتاج جماعات مستعربة.
ويرى الكاتب أبكر آدم إسماعيل – في كتابه فلكلور القلب: أركيولوجيا الأمنيات والعود من مكة إلى سنار – أن ما يُسمى بالثقافة الإسلاموعربية يمثل توحدًا جدليًا بين العروبة ككيان اجتماعي، والإسلام كدين سماوي، بحيث يصعب الفصل بينهما عمليًا أو نظريًا، لأن العامل المتحكم هو اللغة.
فالكيانات الإثنية والقبلية والثقافية التي خضعت لسياسات “المناطق المقفولة” والقوانين التي سنتها الإدارة الاستعمارية البريطانية–المصرية في الفترة من 1922 إلى 1947 في جنوب السودان، وجبال النوبة، وجنوب النيل الأزرق، وأجزاء من جنوب غرب دارفور، كانت – من وجهة نظر الكاتب – أوفر حظًا، إذ مكنتها تلك العزلة من الحفاظ على لغاتها وعاداتها وتقاليدها وعقائدها، مما ساعدها على مقاومة سياسات التعريب والأسلمة القسرية، وحماية لغاتها من الاندثار.
ويشير المقال إلى أن تجاهل التعدد والتنوع اللغوي والثقافي والإثني والديني الذي تزخر به البلاد، من قبل النخب السياسية التي ورثت السلطة من المستعمر، لم ولن يحقق التماسك الوطني والوحدة الطوعية والتكامل.
ويرى أن الشعوب التي تتحدث لغاتها الأم في السودان، إذا أرادت نيل الاعتراف الكامل، عليها مواصلة الضغط السلمي وعدم الاستسلام، مستشهدًا بتجربة الأمازيغ في الجزائر الذين ناضلوا أربعة وأربعين عامًا حتى نالت لغتهم الاعتراف الرسمي.
ويؤكد أن الاعتراف الدستوري وحده لا يكفي إذا لم تُتبع بنصوصه إجراءات عملية وترتيبات واضحة لإصلاح الواقع اللغوي والثقافي، وإيقاف سياسات فرض ثقافة أحادية، واحترام اختلاف الألسن والألوان، وصون الموروثات الثقافية والمعرفية للشعوب الأصيلة.
وبمناسبة اليوم العالمي للغات الأم، يرفع الكاتب التحية لكل مثقف أدرك مخاطر طمس الهوية، ولكل مجموعة لغوية وثقافية عملت على تدوين لغتها، ونقلها من نطاق المشافهة إلى فضاء الكتابة، حفاظًا عليها من الانقراض، في ظل تقارير تشير إلى أن نحو (43%) من لغات العالم مهددة بالاندثار.
كاودا – جبال النوبة
الجمعة 20 فبراير 2026