في لحظات الإنكسار الكبرى، لا يُختبر فقط صبر الشعوب على الحرب، بل تُختبر أخلاق الجوار وحدود التدخل، ومعنى الدولة نفسها.

بقلم/ الرفيق دانيال موسى على جانا  المناطق المحررة-كاودا

 

 

في لحظات الانكسار الكبرى، لا تنكشف هشاشة الدول فقط، بل تُختبر أيضاً أخلاق الجوار، ومعاني الأخوّة، وحدود التدخل المشروع. فالحرب التي تشتعل اليوم في السودان ليست مجرد صراعٍ على السلطة، بل امتحان عميق لفكرة الدولة نفسها، ولمفهوم السيادة، ولموقع الإنسان في حسابات السياسة الإقليمية.

ومن هذا المنظور، يصبح الموقف الرسمي لجمهورية مصر العربية موضع تساؤل فلسفي قبل أن يكون خلافاً سياسياً. إذ ما الذي يجعل دولةً جارة، تربطها بالسودان وشائج التاريخ والمصير، تصطف عملياً إلى جانب خيار الحرب، بينما تزعم في خطابها المعلن الدفاع عن الاستقرار ووحدة الدولة؟

إن اللغة التي يختبئ خلفها هذا الموقف، لغة “الحفاظ على مؤسسات الدولة” و“منع التفكك”، ليست لغة بريئة. فهي لغة مألوفة في قاموس الأنظمة السلطوية، حيث تُختزل الدولة في جهازها العسكري، وتُصادر إرادة الشعوب باسم الخوف عليها. وهنا، يتحول الاستقرار إلى صنم، وتُقدّم الحرية قرباناً له.

لكن الدولة، في فهم الحقيقي وحسب فلسفة الحركة الشعبية ليست ثكنة، ولا جهازاً أمنياً، ولا نخبة حاكمة، بل عقداً أخلاقياً وسياسياً بين شعبٍ متنوع، وأرضٍ متعددة، وسلطةٍ تستمد شرعيتها من رضا الناس لا من فوهات البنادق. ومن هذا المنطلق، فإن أي دعم لخيار الحرب، مهما تلحّف بالشعارات، هو عداء مباشر لمشروع الدولة المدنية الديمقراطية.

إن انحياز النظام المصري لطرف بعينه في هذه الحرب، سياسياً ودبلوماسياً وعسكرياً، لا يمكن عزله عن تاريخ طويل من النظر إلى السودان بوصفه مجالاً تابعاً، لا شريكاً متكافئاً. فالعقل السياسي الذي لم يتصالح بعد مع فكرة التنوع والديمقراطية في الداخل، يصعب عليه أن يقبلها في جواره.

وتتعمق المأساة حين يمتد هذا الانحياز ليطال السودانيين الذين لجأوا إلى مصر هرباً من أهوال الحرب. فاللاجئ، في المنظور الإنساني والأخلاقي، كائنٌ محمي بالقانون والضمير، لا ورقة ضغط، ولا مخزوناً بشرياً يُعاد إلى الموت تحت ذرائع زائفة عن الأمن والاستقرار. هنا، لا يعود الخلاف سياسياً فحسب، بل يتحول إلى جرح أخلاقي عميق في جسد العلاقة بين الدولتين.

إن ادعاء الوساطة، في ظل هذا الانحياز الواضح، يفرغ مفهوم الوساطة من معناه. فالوسيط، بحكم التعريف، يقف على مسافة واحدة من أطراف الصراع، وينحاز إلى السلام لا إلى الغلبة. أما حين يصبح جزءاً من معادلة الحرب، فإن وجوده في أي مبادرة سياسية لا يكون إلا عائقاً إضافياً أمام وقف نزيف الدم.

وليس هذا الموقف استثناءً في التاريخ، بل امتداداً لنهجٍ ظل معادياً لثورات الشعوب في السودان، ومسانداً لكل الخيارات العسكرية التي عطّلت تطور الدولة، وأعاقت انتقالها إلى فضاء الحرية والمواطنة المتساوية. فالثورة، في نظر الأنظمة الخائفة، ليست أملاً، بل تهديداً، وعدوى يجب محاصرتها قبل أن تنتقل.

ومع ذلك، فإن هذا النقد الصارم لا يستهدف الشعب المصري، الذي تجمعه بالشعب السوداني روابط إنسانية وثقافية عميقة، وتجارب مشتركة من المعاناة والأمل منذ آلاف السنين. فالشعوب، في وجدان الحركة الشعبية، حليفة بطبيعتها، حتى وإن خاصمتها الأنظمة. إنما الاعتراض الجوهري هو على الموقف الرسمي للنظام الحاكم، لا على وجدان الناس ولا تاريخهم.

 

تحالف السودان التأسيسي: بديل جديد لإنقاذ الوطن

 

في هذا السياق التاريخي المأزوم، لم يأتِ تحالف السودان التأسيسي (تأسيس) كتحالفٍ سياسيٍ عابر، ولا كردّ فعلٍ انفعالي على حربٍ طاحنة، بل كضرورةٍ فلسفية وأخلاقية لإعادة تأسيس معنى الدولة ذاتها. جاء «تأسيس» بوصفه بديلاً جذرياً، يسعى إلى بناء سودانٍ جديد يعالج جذور الأزمة السودانية، لا أعراضها، ويفكّ خيوط الوصاية الخارجية التي ظلت تُحاك باسم الاستقرار تارة، وباسم الجوار تارة أخرى.

إن مشروع «تأسيس» ينطلق من قناعة عميقة بأن الأزمة السودانية ليست نتاج لحظة راهنة، بل حصيلة تاريخ طويل من اختطاف الدولة، وتحويلها إلى أداة في يد قوى داخلية وخارجية، ترى في السودان مجالاً للمصالح لا فضاءً لكرامة الإنسان. ومن هنا، فإن معركة السودانيين اليوم ليست فقط ضد الحرب، بل ضد كل البُنى التي جعلت الحرب ممكنة، وضد كل أشكال التدخل التي تصادر حق الشعب في تعريف مستقبله بنفسه.

وفي هذا المعنى، يصبح الجوار حين يفقد براءته جزءاً من الأزمة، لا وسيطاً لحلها. فالجوار الأخلاقي هو ذاك الذي يحترم إرادة الشعوب، ويقف مع حقها في التحول الديمقراطي، لا ذاك الذي يعيد إنتاج أنظمة القهر، أو يساند خيارات العنف خوفاً من انتقال عدوى الحرية. وتحالف «تأسيس» يضع هذه الحقيقة في قلب خطابه: لا سيادة منقوصة، ولا سلام مفروض، ولا دولة تُبنى تحت ظلال الوصاية، مهما تغيّرت مسمياتها.

إن «تأسيس» لا يطرح نفسه بديلاً عن الشعب، بل إطاراً لتوحيد إرادته الحرة، واستعادة السياسة من قبضة العسكر، ومن حسابات الإقليم الباردة. إنه مشروع لتحرير القرار الوطني، وربط السلام بالعدالة، والدولة بالمواطنة، والسيادة بالكرامة الإنسانية. وبهذا المعنى، فإن مواجهة التدخلات السالبة، أياً كان مصدرها، ليست موقفاً عدائياً، بل فعل تحرر، وخطوة ضرورية في طريق بناء سودانٍ يتصالح مع نفسه ومع محيطه على أسس جديدة.

إن السودان، وهو يعيد طرح سؤال الدولة من جديد، يرفض الوصاية، ويقاوم كل محاولة لإعادة إنتاج المركزية القهرية، سواء جاءت من الداخل أو الخارج. نحن أدرى بتعقيدات واقعنا، وأقدر على صياغة مستقبلنا، متى ما تُرك لنا حق الاختيار الحر.

هذه ليست مواجهة مع دولة، بل مع عقلٍ سياسي يرى في السودان ساحة نفوذ لا وطناً لشعب حيّ. وليست خصومة مع الجوار، بل مع خيانة المعنى الأخلاقي للجوار.

فالثورة، في جوهرها، ليست حدثاً عابراً،

بل مسار تحرر طويل،

يبدأ بتحرير الوعي،

ولا ينتهي إلا بقيام دولة العدالة والمواطنة.

وما دام الظلم قائماً،

فإن الطريق ما زال مفتوحاً.

 

النضال المستمر والنصر أكيد

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.