
وزارة التربية والتعليم: مدخل لحل اللغز النسوي وخطوة نحو توحيد الوجدان المنقسم بين نساء السودان (2).
✍️🏽 غادة حسن مردوم سفور
.
أولا : إشكالات التربية والتعليم وتأثيراتها على قضايا النساء في ظل المركزية الإسلاموعروبية في السودان:
عند تناول أي قضية سواء كانت سياسية أم اقتصادية أو اجتماعية أوثقافية والتفكير في حلها في واقع متنوع ثقافيا واجتماعياً وتاريخياً قد تتعمق الإشكالات نسبة لوجود تداخلات بين السياسات ومفهوم الهوية في المجتمع ذو الطبيعة القرائبية لأن علاقات القرابة جزء كبير من تركيبة هذا المجتمع والبنية الثقافية والاقتصادية والاجتماعية حيث يتم تشويه مفهوم الهوية وتعقيده عبر السياسات التعليمية المؤدلجة، وإذا أردنا أن نناقش قضايا النساء في واقع متنوع تاريخيا وثقافيا واجتماعيا مثل السودان المريض بالعنصرية، فلون البشرة هنا له دور أساسي وحاسم في تكوين العلاقات الإنسانية والتركيبة الاجتماعية وعلاقة ذلك بإشكالات النوع الاجتماعي، فالتعرف على جوهر الصراع في السودان وكيفية الحلول أو معالجة القضايا أمر مركب ومعقد لأن لهذا الصراع موقف نفسي تجاه قضايا النساء نابع عن النظام العنصري والذي يرسخ لعدم المساواة بين الجنسين وبين مكونات المجتمع نفسه، وهذا يتم عبر المناهج والسياسات التعليمية الموجهة. ولحل هذه المشكلة لابد من دراسة جذور تلك المشكلة وعلاجها بعد تحديد نوعها: هل هي سياسية أم إقتصادية أم ثقافية أو تربوية، أم هي مشكلة هيكلية حتى لا تكون المحصلة النهائية غير شاملة أو نسلم بتجزئة الحلول.
أن الإنتهاكات التي مورست على النساء كثيرة ومركبة ومعقدة مما أدى إلى تهميشهن في السودان لطالما كن ضحايا التمييز سواء كان (لغويا، نوعيا، اجتماعياً، واقتصادياً، سياسياً ومعرفياً و تربويا). وفق نمط الأسرة والمجتمع البطرياركي، فهي مشكله هيكلية.
وتلعب الأديان دورا مهمة لأي مركزية لأن الدولة تستخدم تشريعات دينية ترسخ بواسطة النظم التربوية والتعليمية ويتم تطبيقها عبر القوانين بإنتقائية لتقنين الوصاية على النساء وتقييد حرياتهن وحرمانهن من الحقوق الأساسية وتصبح أوضاع النساء من المسلمات دون النقاش أو التفكير في إيجاد حلول منطقية، وهي العبودية الفكرية التي تقمع طاقة التمرد، بل وتعد الإستسلام طاعة أخلاقية كما تناولها “نيتشة” والدين هنا يفرض خضوع المرأة أي كان نوع الدين، المستخدم في السياسة أي “تسييس الدين” حتى تصبح العبودية إنضباطا داخلياً، ويصبح الفرد شرطياً على ذاته وتعمقت الإشكاليات النسوية مع إندلاع الحروبات الأهلية في السودان وتحول النساء إلى أهداف مباشرة للعنف الممنهج بالسياسات الهيكلية، وبالذات الوضعية المشوهة لواقع السودان فقد أنتجت فئتين من النساء: (نساء هامش – ونساء مركز). فكان للصبغة اللونية دورا مهما في خلق صراع الهويات بين (نساء عبيد من الهامش – ونساء أحرار من المركز) وتم تأزيمه بواسطة سياسات تمارس العنف الناعم في النظام التعليمي المشوه، ويودي إلى تآكل القيم، وتخل بالتنوع وتدفع لإستمرارية الصراع عبر الظواهر الصادرة عن العنصرية ووهم الإستعلاء والتفوق والقبلية والإستلاب والتماهي، وغيرها من المظاهر، مما خلق إشكالات حقيقية في الدولة السودانية عبر الإنقسام الإجتماعي والثقافي والإختلاف في القضايا وأولويات النساء ومنهن نساء الهامش، وهن نساء تم قهرهن وإستعبادهن، ومورس عليهن جميع أشكال التمييز وأنواع ودرجات التهميش وأصبحن خارج النظام الإجتماعي بسبب التراتبية الإجتماعية وشروط تقسيم العمل وقوانين الملكية وفقا لمعايير المواطنة في السودان، وبالتالي كان الإنقسام إلى:
(أ)- نساء المركز: وهن نساء بنموذج تفكير مشوه بالمعيارية المركزية، وهن نساء ذو إمتيازات تاريخية ووضعية إجتماعية مميزة حيث أصبحن حاميات للأنظمة المتعاقبة لسلطة الدولة السودانية ومتماهيات مع هياكل الدولة حيث أصبحن ذكوريات، فالنظام الإجتماعي والسياسي في السودان ظل عبر التاريخ مقاوم للتغيير ومعطل له لأن المجتمعات المهيمنة ذات أنظمة القرابة أو البطرياركية، هي بطبيعتها أنظمة إستبدادية تقوم على مشروعية العنف والإخضاع عبر الخطاب الرسمي للدولة وهياكلها من (إعلام، مسجد، مدرسة، … إلخ). جميعها تعمل لوقف العدالة الإجتماعية وتوحيد الوجدان السوداني بصورة قمعية مع إقصاء الآخر.
(ب)- نساء الهامش وهن اللائي مورس عليهن القمع التاريخي وتم تهميشهن على أساس العرق والجنس واللون، وتم كذلك إبعادهن عن السلطة والثروة وكافة مجالات الحياة.
ثانيا: علمانية الدولة حلا لإشكالات النوع في السودان :
نحن نركز على المساواة لأنها إحدى إشكالات النوع الإجتماعي، وقد نتجت عن عدم العدالة في توزيع الفرص التي تساعد على تقدُّم النساء، وذلك بوضع معايير وعقبات إرتكزت على الآيديولوجيا الإسلاموعروبية أي (الإسلام – دين) (الثقافة – عربية) والإجحاف في حقوق الآخرين.
وهذا يعكس التحامُل على (الآخر) المختلف في الدولة السودانية، مما أسَّس للتهميش والتمييز وأدَّى إلى الحروبات المستمرة نتيجة للغبونات والمظالم التاريخية وعدم إدارة التنوُّع التاريخي والمعاصر، وعدم المساواة في الحقوق. أهمها التعليم وفرص تلقي المعارف وتقييد العقول بواسطة العبوديه الفكرية هذه أزمة من أزمات النخب المركزية، التي سيست النظم التعليمية والتربوية وتم تشويه المعارف والعلوم وقد عكست هذه السياسات القضية بشكل واضح إذ قارناها بالمركزيات الأخري مثل المركزية الأوروبية وغيرها من المركزية الإسلاموعروبية. جميع هذه المركزيات نظرت لقضايا النساء من زاوية تفكير ضيقة وبطريقة ضحلة جدا ومختلفة عن الأخري لذلك أصبحن فئتين من النساء. لذا نسلط الضوء هنا على تلك القضايا ولما واجه النساء في السودان من ظلم وإضطهاد وتهميش وبدرجات مختلفة وفقا لمعايير المركز بإقحامهم للدين في القضايا المتعلِّقة بالدولة والمواطنة. وهذا ظهر جلياً في السياسات المرسومة والمُتَّبعة في المركز عبر الأسلمة والتعريب، وكان شرط من شروط النجاح في الشهادة الثانوية هو نجاح في مادتي اللغة العربية والتربية الإسلامية وشرط من شروط المواطنة والحقوق، عبر هذا الشرط تم إنكار التنوع الثقافي والاجتماعي للدولة السودانية وأدى لقيام الحروبات التي وصلت مرحلة أن هناك (وجوه غريبة، متعاونين قوقو، ودخلاء على البلاد)، وهذا خلل في البنية التربوية والتعليمية للسودان لعدم وجود تربية مواطنة متساوية ولعدم حرص الدولة على إحكام سيطرتها على النظام والسياسات التعليمية حيث تم وضع مُحدِّدات سياسية وإجتماعية وثقافية وإقتصادية لقمع النساء وبشكل مُحكَّم بقيود ونصوص دينية مُجافية لواقع السودان المتنوِّع (ثقافيا وإجتماعيا ودينيا) ومما أصبح المجتمع مشوه. والحكومات الُمتعاقبة ظلت تدافع عن، وتحمي هذه الآيديولوجيا عبر هياكل الدولة بقوانين صارمة مستندة على نصوص دينية لصالح المركزية الاسلاموعروبية، مما يؤكِّد أن المركز يوجِّه ويرسخ ويشرعن الإمتيازات التاريخية للمنتميين للكيانات المسيطرة تاريخيا. فهم يعطون أنفسهم فقط الحق في التعليم والمشاركة في السلطة وغيرها من الحقوق عبر قوانين النظام العام والكشة والوجوه الغريبة والمتعاونين وغيرها من القوانين الجائرة، بشكل عام، والممارسات تجاه النساء على وجه الخصوص. حيث تم حرمانهن من التعليم بوضع شروط للتعليم مُعقَّدة لتحديد إتجاهات التفكير بأفكار ومفاهيم ومُعتقدات. مسلم بها عبر نظم “إستعدادات وتصورات” إجتماعية تُصوِّر النساء بأنهن في وضع دوني ومرتبة أقل من الرجال، لأن المركز بطرياركي. وتم ترسيخ تصورات أخرى بإن هناك نساء أفضل من نساء أخريات. ذلك لأن المركز بطبيعته هو مركز عنصري. وهذا يتمظهر عبر درجات التهميش المركب لنساء الهامش، والتمييز بين نساء ونساء أخريات، مهمشات ومحرومات من أبسط الحقوق مما عمق الهوة وخلق فوارق وفجوة اجتماعية وثقافية بينهن. وهنا إستشهد بمقولة الدكتور/ جون قرنق في خطابه الشهير عند التوقيع على إتفاق السلام الشامل في العام 2005م (إن المرأة هي مُهمَّشة المُهمَّشين)، وكان يقصد نساء الهامش، ولا زال هذا التهميش مستمرا.
هناك معالجات مهمة جدا لا بد من القيام بها، وهي معالجة أوضاع نساء السودان، وخاصة نساء الهامش.
1/ إلغاء كافة القوانين التي تقييد حرية الفكر والعبودية الفكريه بشكل عام حتي لا يصبح الانسان عبدا بلا قيود علي يديه بل القيود علي العقل
2/ إلغاء كافة القوانين التي تفرض الوصايا على النساء عبر قانون النظام العام؛
3/ سن قوانين وآليات مراقبة لحماية النساء؛
4/ محاربة العادات والتقاليد الضارة التي تحط من قدر النساء وضمان المشاركة الفاعلة للنساء في الحياة العامة؛
5/ إتاحة فرص عادلة لجميع النساء في التعليم والتدريب ورفع القدرات السياسية والاقتصادية.. وتعزيز مشاركتهن في مواقع صنع القرار؛
6/ على النساء تحديد السياق والواقع الذي تنطلق منه نساء السودان ثقافيا واجتماعيا وسياسيا بواسطة ضبط مسألة الهوية.
هناك قوانين كثيرة جدا، ولكن لا يمكن أن تكون فاعلة إلا بإصلاح القضاء واستقلاليته ليقوم بدوره مع مراعاة التنوُّع. وهذا لن يتم إلا في ظل الدولة العلمانية وبمعالجة مشاكل (علاقة الدين بالدولة، الثقافة والهوية، نظام الحكم، وإجازة الدستور الدائم) ليتحقق السلام الشامل والعادل والتحول الديمقراطي. ليصبح السودان دولة علمانية ديمقراطية لا مركزية.. سودان حر وموحد على أسس جديدة. دولة الحرية والعدالة والمساواة.
ثالثا: وأخيراً، لا بد من إحداث وعي مشترك للنساء عبر النضال المشترك رجال ونساء لإحداث وعي نسوي وخطاب نسوي خاص بنا كنساء سودانيات وأفريقيات، وهذا لا يحدث إلا في مجتمع ذو نظام إجتماعي وسياسي وذو طبيعة علمانية ديمقراطية تكفل الحقوق الطبيعية دون تحيز، تحقق الحرية والعدالة الإجتماعية والمساواة لتحقيق الرفاه.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.