توحيد الزي توجها استعلائيا وعدم اعتراف بالتنوع 

بقلم✍️🏽/ باب الله كجور  

 

 

توطئة:

يقول: الأديب الروسي دوستويفسكي “حينما يكتمل وعي الإنسان و إدراكه، أما أن يعيش فى الصمت إلى الأبد، أو أن يصبح ثأئرًا على كل شيء”.

محمد محي الدين أبوبكر، صديق الزمن الجميل، وزميل الدراسة في مدرسة جبرة المتوسطة دفعة ( 1991 _1993م) والتي تم تغير اسمها إلى ( أبي هريرة) تماشيًا مع موجة التأصيل وهوس الأسلمة والاستعراب والتي إجتاحت البلاد أنذاك، وطالت مؤسسات التعليم العام بمراحلها الثلاثة( ابتدائي، متوسط، ثانوي ) مطلع تسعينات القرن الماضي. كتب فى مدوّنة الدفعة( يجب توحيد الزي القومي لكل المناطق في السودان، زيًّا قوميًّا (عِمة وجلابية) ماخطّه قلم دفعتي لايمكن أن يترك دون تعليق أو رد، فالمسألة ليست بهذه البساطة والسذاجة، بل لها أبعاد وعلاقة بممارسة السلطة واكتساب المزيد من النفوذ، و يمثل الفكرة الراسخة في عقلية أولاد البلد (أهل الشمال والوسط)، ونوع من الدعاية المنسّقة وحملة محكمة لحماية التراث المادي وغطاء ايديلوجي وتعبير صادق عن رغبة و أشواق من يرون في أنفسهم النبل والأصالة أكثر من غيرهم، ولهم أمل في بسط سيطرتهم الكاملة، ويؤمنون بحتمية سيادة قيمهم الحضارية لتأكيد التفوق والهيمنة. فالفعل واجب في معجم ( لسان العرب لابن منظور)، فوجوب الشيء يجب إذا ثبت ولزم ، والواجب والفرض سواء عند الإمام الشافعيُّ فهو مايعاقب على تركه. الزي كقالب سلوكي شيء لاغنى عنه، ولاتنتفي الحاجة إليه يرتديه الإنسان ليتقي البرد والحر و يغيّرها لدواعي النظافة والأناقة الموضة، ولايرى فيه البعض غاية خلاف الاحتشام وسترة العورة.

وتوحيد الزي قد يجد ترحيبًا وقبولًا وارتياحًا من أفراد المجتمعات الوسيطة عرقيًّا ومعرّبة ثقافيًّا، ستجد المعارضة من الذين يصارعون المركز الإسلاموعروبيّ في السودان من أجل إثبات الذات والحفاظ علي الهوية الاجتماعية و الثقافية والوجود السياسي.

فكل مثقف يتمتع بالاستقلالية وعلى درجة من الوعي المباشر ويقوم بدوره في وضع حدًا لتجاوزات أنصار الهوية الأحادية الإقصائية، ومرتبط بمجتمعه ولا يعيش في حالة اغتراب واستلاب سيجاهر برفض هذا المقترح، بل سيفنّد بالحجة فرضية الإبقاء على الصورة الذهنية النمطية التي رُسِمَت في مخيلة البعض، وسيضّهد فكرة التبعية والتقليد الأعمى ونظرة قاصري الفهم للعمة والجلابية كزي قومي لكل السودانيين على اعتبار ذلك دعوة صريحة لتكريس عدم الاعتراف بالتنوّع الثقافي كواقع حقيقي من الصعب إنكارها وتجاهلها عمدًا ومصادرة لحق الآخرين الذين لهم أزياء تقليدية خاصة بهم و التي لها صلة وثيقة بالبيئة المحيطة و التراث. وما حادثة مدير الهيئة القومية للإذاعة والتلفزيون إبراهيم البزعيُّ و المذيعة زينب ايرا التي تنحدر من قومية البجة إلا إنعاكس واسقاط نفسي ونموذج حي لذلك التوّجه الاستعلائيُّ المفرط في رفض الآخر.

سلارا- جبال النوبة الحرة- ألاربعاء- 28 يناير- 2026م.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.