معادلة الانفجار المؤجل: (المركز وأدواته في السودان)

بقلم ✍🏾 أ/ بنجامين عثمان

 

يمرّ السودان بمرحلة تاريخية حرجة تكشف بوضوح عن عمق الأزمة البنيوية التي لازمت الدولة منذ نشأتها الحديثة. فبلدٌ كان يُنظر إليه بوصفه سلة غذاء العالم، تحوّل إلى ساحة حرب مفتوحة، وشعبه إلى نازحين ولاجئين يعانون شظف العيش وفقدان أبسط مقومات الحياة. ورغم تعدد المبادرات الإقليمية والدولية لوقف الحرب، إلا أنها فشلت في تحقيق سلام مستدام، ليس بسبب غياب الحلول، بل نتيجة إصرار الدولة المركزية على الاحتفاظ بالسلطة والثروة، واحتكار قرار مصير الشعب السوداني.
لقد اعتمد المركز، تاريخيًا، على إدارة البلاد عبر سياسات إقصائية قائمة على تقسيم المجتمع وفق أسس إثنية ودينية وجهوية، مستخدمًا ذلك كأداة للهيمنة السياسية. عرب وزُرقة، مسلمين ومسيحيين، شماليين وجنوبيين… ثنائيات مصطنعة أُريد بها إغراق الهامش في صراعات داخلية تُضعف وحدته، بينما ينفرد المركز بالحكم والموارد. ولم تكن هذه السياسات عرضية أو عفوية، بل جزءًا من بنية حكم هدفت إلى إدامة السيطرة على حساب العدالة والوحدة الوطنية.
وقد بدأت هذه السياسات تطفح نتائجها الكارثية منذ وقت مبكر، كما تجلّى ذلك فيما عُرف بـ “مشكلة الجنوب”، التي أعاد الدكتور جون قرنق دي مابيور تعريفها بوصفها “مشكلة السودان” بأكمله، نابعة من فشل مشروع الدولة في استيعاب التعدد وبناء عقد اجتماعي عادل. كما حذّر الأستاذ الشهيد محمود محمد طه، عقب تطبيق قوانين سبتمبر، من أن فرض رؤية أحادية باسم الدين سيقود إلى تمزيق البلاد ومعاناة شعبها، وهو ما تحقق بانفصال الجنوب، دون أن تُعالج جذور الأزمة.
إن تكرار ظهور الحركات التحررية في دارفور، وجبال النوبة، والنيل الأزرق، وشرق السودان، لا يمكن فهمه بوصفه سلسلة “تمردات” معزولة، بل باعتباره استجابة طبيعية لانسداد الأفق السياسي داخل دولة مركزية ترفض الإصلاح الجذري. فكما أشار ألبرت أينشتاين، لا يمكن إعادة استخدام الأدوات ذاتها والعقلية نفسها مع انتظار نتائج مختلفة. ومع ذلك، يواصل المركز إنتاج السياسات القديمة، وكأن دروس التاريخ لم تُقرأ بعد.
وفي مفارقة لافتة، وجد المركز نفسه اليوم في حالة عجز مزدوج: فلا هو قادر على تحديث أدواته القمعية بما يتناسب مع وعي شعبي متقدم، ولا هو قادر على إنتاج خطاب سياسي جديد يستوعب مطالب الأقاليم. فقد أسهمت حركات الكفاح المسلح، وعلى رأسها الحركة الشعبية لتحرير السودان بشقيها، إضافة إلى حركات دارفور، في تفكيك الخطاب الرسمي، ونقل الصراع من كونه “أمنيًا” إلى كونه صراعًا سياسيًا يتعلق بطبيعة الدولة نفسها. ومع تراكم هذا الوعي، خرج الشعب في ثورات متتالية مطالبًا بحقوقه المشروعة وبإعادة تأسيس الدولة على أسس جديدة.
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال حالة التفكك التي آلت إليها المؤسسة العسكرية، حيث أفضت سياسات التسييس والإقصاء إلى إضعاف العقيدة العسكرية، وغياب الإجابة عن السؤال الجوهري: من نقاتل؟ ولماذا؟ وهو ما يعكس أزمة الدولة المركزية أكثر مما يعكس خللًا تقنيًا داخل الجيش.
أما في ما يتعلق بالتطورات الأخيرة في شرق السودان وظهور حركة تحرير شرق السودان، فإن لجوء المركز إلى خطاب التخوين واتهام الحركة بالعمالة والأجنبية لا يعدو كونه إعادة إنتاج لأدوات قديمة فقدت صلاحياتها وفعاليتها. فهذا الخطاب، الذي استُهلك عبر عقود، لم يعد قادرًا على نزع الشرعية عن مطالب سياسية متجذرة في واقع التهميش والإقصاء، بل يسهم فقط في تعميق الأزمة وتسريع وتيرة الانفجار.
إن ما يشهده السودان اليوم هو تجسيد حيّ لما يمكن تسميته بـ “معادلة الانفجار المؤجل”، حيث أدى تراكم الظلم واحتكار السلطة والثروة وغياب العدالة إلى انفجار شامل يهدد كيان الدولة نفسها. ولن يكون السلام ممكنًا، ولا الوحدة قابلة للاستمرار، ما لم يتم تفكيك بنية المركز المهيمن، وإعادة بناء الدولة السودانية على أسس المواطنة المتساوية، والعدالة الاجتماعية، والاعتراف الحقيقي بالتعدد بوصفه مصدر قوة لا تهديد.
إن السودان لا يحتاج إلى حلول ترقيعية أو خطابات تخوين جديدة، بل إلى مشروع وطني يعيد تعريف الدولة، ويضع حدًا لمنطق المركز والهامش، ويؤسس لوطن يسع الجميع، بلا إقصاء ولا هيمنة. فإما دولة عادلة يتشارك فيها الجميع، أو استمرار انفجارٍ مؤجل… لم يعد في الحقيقة مؤجلًا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.