
تحرير كادوقلي والدلنج ….. معركة تخص جميع السودانيين
بقلم : على كمنجة
منذ اندلاع حرب الخامس عشر من أبريل 2025،، ظلت قيادة الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال، على مختلف مستوياتها، تتابع عن كثب الانتهاكات الواسعة التي ترتكبها ما يُعرف بالقوات المسلحة التابعة لسلطة بورتسودان، والمليشيات الإسلاموية المتحالفة معها، بحق المدنيين العزّل في مختلف أقاليم السودان. وقد اتخذت هذه الانتهاكات، في معظمها، طابعاً إثنياً وثقافياً ودينياً واضحاً، بما يعكس استمرار جوهر الدولة السودانية القديمة التي قامت على التمييز بين المواطنين على أساس العرق والثقافة والانتماء الديني، لا على أساس المواطنة المتساوية.
وفي هذا السياق، فإن حقيقة إشعال حرب 15 أبريل لم تعد موضع جدل؛ فقد فجّرها الإسلاميون سعياً لاستعادة سلطتهم التي أسقطها الشعب السوداني بعد سنوات طويلة من النضال والمقاومة، تُوّجت بثورة ديسمبر المجيدة. أما ما يُروَّج له عن “حرب من أجل السيادة أو حماية الدولة” فهذه ليس سوى دعاية عسكرية رخيصة، تخفي خلفها مشروعاً سياسياً منهارا ، هو: إعادة إنتاج نظام السودان القديم بثوبه الإسلاموي.
من هنا، فإن ما تقوم به الحركة الشعبية – شمال اليوم، سواء عبر تحالفاتها ضمن قوى “تأسيس”، أو عبر تصعيدها العسكري لتحرير كادقلي والدلنج، لا يمكن فصله عن خطها الثوري الثابت الهادف إلى تحرير الشعب السوداني في كل مدنه وقراه من قبضة الدولة القديمة، ومن محاولات الإسلاميين لإطالة عمر السودان القديم الآيل للسقوط.
إن المليشيات الإسلاموية التي تحرّض اليوم مواطني كادقلي والدلنج على الاستنفار والقتال ضد الجيش الشعبي لتحرير السودان، هي ذاتها الجماعة التي حكمت البلاد ثلاثين عاماً في عهد البشير، وأغرقت السودان في الفساد، ومزّقت نسيجه الاجتماعي، وأشعلت الحروب ذات الدوافع العنصرية في دارفور والنيل الأزرق وجبال النوبة، وارتكبت في تلك المناطق جرائم إنسانية تهز الضمير العالمي.
في المقابل، ظلت الحركة الشعبية تناضل من أجل مشروع السودان الجديد؛ الدولة التي يتساوى فيها جميع السودانيين في الحقوق والواجبات، دون أي امتياز على أساس الدين أو الجهة أو الإثنية، دولة تُدار بالقانون لا بالبندقية، وبالمواطنة لا بالولاء الأيديولوجي. وهذا المشروع لا يخص جبال النوبة وحدها، بل يمثل حلم الملايين من السودانيين الذين دفعوا أثمان السودان القديم دماً وتهجيراً وفقراً.
لقد مُني جيش البرهان ومليشياته بهزائم فادحة في دارفور، الإقليم الذي سطّر تاريخاً مشرفاً في مقاومة النظام الإسلاموي العنصري. وللتاريخ، فإن تنظيم الجبهة الإسلامية، ثم المؤتمر الوطني لاحقاً، بلغ في عنصريته المتجذرة مبلغاً لم يبلغه أي تنظيم سياسي آخر في السودان. وقد عبّر الشهيد الرفيق داوود يحيى بولاد عن هذه الحقيقة ببلاغة عندما سأله جون قرنق عام 1990 عن سبب تركه الحركة الإسلامية والانضمام إلى الحركة الشعبية، فأجاب بلا تردد: “اكتشفت أن الدم أكثر كثافة من الدين في الحركة الإسلامية”، أي أن الروابط الإثنية داخلها أقوى من رابطة العقيدة الاسلامية ، هكذا هم الاسلامويين في السودان .
أما جنوب كردفان / جبال النوبة، فقد ظلت عبر التاريخ مركزاً للمقاومة وعمقاً استراتيجياً لمشروع السودان الجديد، والمكان الذي تحطمت عنده كل محاولات إخضاع السودان بالقوة. ولهذا، فإن المعركة التي يخوضها الجيش الشعبي لتحرير السودان اليوم ضد الإسلاميين في جنوب كردفان / جبال النوبة ليست معركة محلية ضيقة، بل هي في جوهرها دفاع عن كل مدن السودان وشعوبه الحرة، من بورتسودان إلى نيالا، ومن كاودا إلى حلفا، مروراً بمدني والخرطوم.
إنها معركة السودان كله من أجل وطن جديد، عادل، حر، يسع الجميع.