
بـ 600 مادة بصرية.. تحقيق يكشف: الجيش السوداني ارتكب جرائم تطهير عرقي في الجزيرة
وكالات: splmn.net
في تحقيق استقصائي صادم، تكشف شبكة «سي إن إن» ومركز «لايت هاوس ريبورتس»، أن الجيش السوداني مع ميليشيات الإخوان الإرهابية المتحالفة معه، استغل العملية التي شنها لاستعادة مدينة ود مدني الاستراتيجية والمناطق المحيطة بها في ولاية الجزيرة في بداية العام الجاري، كذريعة لشن حملة إبادة عرقية للمدنيين، بدأت في أكتوبر/ تشرين الأول 2024، واستمرت لعدة أشهر.
ويحتوي التحقيق على ما يقارب 600 مادة بصرية، مع ربط الأدلة المرئية بالمواقع الجغرافية وشهادات الشهود، ويشمل ذلك مراجع إضافية مثل صور الأقمار الصناعية، وبيانات الحرائق، وتحليل الظلال، بالإضافة إلى وسائل الإعلام المحلية، وتقارير المجتمع المدني، وبيانات النزاعات من مراكز حقوقية.
وأفاد التحقيق بوقوع 59 هجوماً موثقاً على أكواخ المدنيين بين أكتوبر/ تشرين الأول 2024 ومايو/ أيار 2025. كما تم الإبلاغ عن 87 هجوماً إضافياً من إفادات شهود عيان، إضافة إلى التحقق من العشرات من مقاطع الفيديو، بما في ذلك مجزرة جسر الشرطة، والهجمات على المدنيين والحرق المتعمد والمقابر الجماعية.
ورغم ذلك أفاد التحقيق بأنه لم يتم توثيق العديد من المجازر، ولا يزال الكثيرون يتساءلون عما إذا كان أحباؤهم أمواتاً أم أحياء.
مجزرة جسر الشرطة
في منطقة بيكة، أفاد شهود عيان بأن مقاتلين قضوا على أشخاص اتهموهم بالتعاون مع قوات الدعم السريع، وألقوا بجثثهم في الماء، بينما ألقوا بآخرين أحياء. وبعد أيام من هذه الوقائع ألقى قائد الجيش السوداني، عبدالفتاح البرهان، ما وصفه بخطاب «النصر» أمام مجموعة من الجنود تحت جسر بجوار الممر المائي في بيكة.
وفي خطابه بتاريخ 16 يناير/كانون الثاني، تفاخر البرهان بأن جيشه شن هجوماً على مقاتلي قوات الدعم السريع في الموقع نفسه، وهو هجوم تم توثيقه في مقطع فيديو نُشر على مواقع التواصل الاجتماعي.
لكن في الأيام التي تلت تقدم الجيش السوداني نحو ود مدني، بدأت الجثث تطفو على سطح الماء، وتُظهر مقاطع فيديو ما لا يقل عن ثماني جثث عالقة، جميعها إما عارية أو بملابس مدنية، وإحداها على الأقل تعود لشخص مقيد اليدين خلف ظهره.
وقال لورانس أوينز، عالم الأنثروبولوجيا الشرعية، إن الضحايا يبدو أنهم توفوا في فترة زمنية تتوافق مع حملة الجيش السوداني للسيطرة على المنطقة.
كما كشفت صور الأقمار الصناعية التي التقطت في مايو/أيار عن عشرات الجثث الأخرى التي تم التخلص منها في القناة في منطقة بيكة.
شهود عيان يكشفون فظائع
تروي امرأة أطلق عليها التحقيق اسم مريم (وهو اسم مستعار حفاظاً على سلامتها)، تفاصيل اليوم الذي اجتاحت فيه قوات الجيش السوداني شوارع مسقط رأسها في ولاية الجزيرة بوسط السودان. حيث أفادت بأن أربعة جنود اقتحموا منزلها وطالبوا أبناءها الأربعة بالذهاب معهم، حيث تم اقتياد أبنائها وشقيقها على دراجة نارية. واستمر إطلاق النار طوال اليوم، وأضرم الجيش النار في المنازل. لاحقاً، علمت أن بعض تلك الطلقات على الأقل قد أودت بحياة أبنائها وشقيقها. لكنها تمكنت من الفرار مع شقيقها الآخر، سليمان.
كما روى سبعة ناجين آخرين على الأقل من ولاية الجزيرة قصصاً مماثلة عن استهداف المدنيين بلا رحمة على أساس انتمائهم العرقي.
واستذكر أحد زعماء المجتمع المحلي في ولاية الجزيرة مشاهدته لجنود الجيش السوداني وهم يلقون بثلاث جثث في القناة، ثم سافر لاحقاً في جميع أنحاء ولاية الجزيرة، متفقداً القرى المدمرة. وقال: «ما يحدث الآن في الجزيرة هو أنهم يريدون تدمير المناطق التي تعيش فيها أغلبية إفريقية».
اعترافات ضابط في الجيش السوداني
ويستطرد التحقيق قائلاً إنه خلال حملة الجيش السوداني لاستعادة ود مدني، اتضحت طبيعة العنف ذي الدوافع العرقية، حيث استهدفت الهجمات في معظمها أشخاصاً من أصول غير عربية، بمن فيهم سكان منطقة دارفور الغربية، ودولة جنوب السودان.
وقال ضابط في الجيش السوداني إن التعليمات كانت تقضي بإطلاق النار فوراً على كل من بدا أنه من النوبة، أو من غرب السودان، أو من جنوبه، وأكد قائد استخباراتي رفيع المستوى أن الجنود أطلقوا النار على مئات الأشخاص الذين خرجوا للاحتفال بوصولهم، واصفاً الضحايا بأنهم من جنوب السودان.
وفي فجر يوم 12 يناير/كانون الثاني، اندلع قتال عنيف عند جسر الشرطة، وخلاله بدا أن الجنود قد ألقوا القبض على مسلحين فارين، في حين أظهرت مقاطع الفيديو جثثاً متناثرة.
ورصدت مقاطع فيديو عمليات إعدام واضحة لرجال عُزّل يرتدون ملابس مدنية، وفي اليوم التالي، تم إخلاء الطريق من المركبات المحترقة والجثث.
كما أظهرت مقاطع فيديو من نفس الموقع جثث ما لا يقل عن 50 شاباً، جميعهم يرتدون ملابس عادية، وكثير منهم حفاة، دون وجود أي أسلحة ظاهرة، ويبدو أن العديد منهم قُتلوا حديثاً، حيث توجد آثار طلقات نارية واضحة في الرأس.
هجمات الكنابي
تشير التقارير إلى أن ما حدث على طول الطريق المؤدي إلى ود مدني جزء من نمط تكتيكي أوسع يستخدمه الجيش السوداني وحلفاؤه من التنظيمات الموالية لجماعة الإخوان الإرهابية، وفي الأشهر التي أعقبت استعادة المدينة، شنّ الجنود أيضاً هجمات واسعة النطاق على شعب الكنابي، وهم مجتمع غير عربي مهمّش يعاني محدودية فرص السكن والتعليم.
في قرية طيبة، أطلق ما يسمى قوات «درع السودان»، وهي ميليشيات موالية للجيش السوداني، النار على المدنيين وأضرمت النيران في المنازل، وأفاد ضابط من الجيش السوداني بأنه شاهد مقاتلي قوات «درع السودان» يطلقون النار على مدنيين، بينهم كبار السن والنساء والأطفال.
هل كانت ممارسات فردية؟
في يناير/ كانون الثاني الماضي، دان الجيش السوداني ما وصفه بـ «الانتهاكات الفردية» بعد استعادة ود مدني، وأعلن عن فتح تحقيق في الهجمات، وسط اتهامات واسعة النطاق باستهداف المدنيين.
وفي مقاطع فيديو لعمليات الجيش السوداني، يصف الجنود من يستهدفونهم بأنهم «متعاونون» مع قوات الدعم السريع، وهو ما اعتبرته جوي نغوزي إيزيلو، عضوة بعثة الأمم المتحدة، اتهاماً لا أساس له من الصحة يُستخدم لتبرير الهجمات ذات الدوافع العرقية.
أوامر صادرة عن قيادة الجيش السوداني
وأكدت مصادر متعددة في التحقيق أن أوامر هذه الحملة صدرت عن قيادة الجيش السوداني، الذي امتنع بدوره عن التعليق على هذه الاتهامات.
ووصف أحد أعضاء بعثة الأمم المتحدة المستقلة لتقصي الحقائق في السودان أعمال الجيش بأنها «إبادة جماعية ممنهجة»، قد ترقى إلى«تطهير عرقي».
وبحسب التحقيق فإن العملية العسكرية التي قام بها الجيش السوداني اتسمت بالعنف العرقي، والقتل الجماعي للمدنيين، وإلقاء الجثث في القنوات والمقابر الجماعية، إضافة إلى إلقاء البعض أحياء في المياه.
وأدت الحرب في السودان المستمرة منذ أكثر من عامين إلى مقتل أكثر من 150 الف شخص