من قصف الهدّارا إلى وعظ القانون …تلفون كوكو يغطي النار بالعويش

بقلم عمار نجم الدين

———————————————
الحكمة الشعبية بجبال النوبة، تقال عن من يحاول إطفاء النار بالقش إنه “يغطي النار بالعويش”؛ أي أنه لا يُخمد الحريق، بل يزيده اشتعالًا وهو يظن أنه يُنقذ الموقف. هذه الاستعارة البسيطة تختصر بدقة ما يفعله خطاب تلفون كوكو الأخير حول “حماية المدنيين” في كادقلي والدلنج: خطاب يوظّف لغة القانون الدولي، لكنه يتجاهل جذور الحريق، ويُبقي المدنيين داخل دائرة الخطر، ثم يلوم من يحذّرهم.
مقال تلفون كوكو الاخير في حديثه عن حماية المدنيين في جبال النوبة لا يمكن قراءته بوصفه رأيًا حقوقيًا معزولًا عن سياقه، فكاتبه ليس فاعلًا محايدًا في مسألة جبال النوبة. لقد ظلّ، لسنوات طويلة داخل الحركة الشعبية، مدافعًا عن رؤية فكرية تقلّل من مركزية العلمانية بوصفها قضية وجودية لشعوب الإقليم، وتتعامل مع الشريعة الإسلامية كخيار سياسي قابل للتفاوض. غير أن التجربة التاريخية في السودان، وبالأخص في جبال النوبة، تُظهر بوضوح أن تطبيق الشريعة كان هو الإطار الذي أُنتجت داخله الحملات الجهادية وسياسات “الجهاد والتمكين” التي قادت إلى إبادة جماعية وتهجير قسري واضطهاد ديني وثقافي ممنهج. تجاهل هذه الحقيقة ليس اختلافًا فكريًا مشروعًا، بل إنكارٌ لسلسلة سببية موثّقة بالدم.
ومنذ عام 2005، اتخذ هذا الخطاب منحىً أكثر انكشافًا بانحيازه للمركز، وصمته عن الجرائم التي ارتكبتها الدولة السودانية وجيشها في جبال النوبة، بينما ينشط اليوم في تجريم أي مقاربة تحذّر المدنيين من أخطار وشيكة. هنا يصبح السؤال الجوهري ليس عن النصوص القانونية التي يستدعيها الكاتب، بل عن الوظيفة السياسية لهذا الاستدعاء: هل هو سعيٌ فعلي لحماية المدنيين، أم إعادة إنتاج لخطاب يغطّي الحريق بالعويش؟
لا يمكن الحديث عن “حماية المدنيين” في جبال النوبة دون استحضار السجل الطويل للانتهاكات الجسيمة التي ارتكبتها الدولة السودانية وجيشها، والتي ترقى وفق توصيف القانون الدولي إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. فمنذ اندلاع الحرب في يونيو 2011، نفّذ سلاح الجو السوداني قصفًا جويًا ممنهجًا وعشوائيًا استهدف قرى مدنية، أسواقًا أسبوعية، مدارس، ومراكز صحية. وقد وثّقت منظمات دولية عديدة هذه العمليات بوصفها قصفًا غير متناسب ينتهك مبدأي التمييز والتناسب، ويرقى إلى جريمة حرب مكتملة الأركان. الصمت عن هذا السياق، ثم تجريم التحذير من الخطر، لا يمثّل قراءة قانونية محايدة، بل إعادة ترتيب للمسؤولية على حساب الضحية.
في مارس 2024، تعرّضت مدرسة الهدّارا لقصف جوي أثناء اليوم الدراسي، ما أدى إلى مقتل أطفال داخل فصلهم. هذا الهجوم استهدف منشأة تعليمية محمية بموجب القانون الدولي الإنساني، ويشكّل انتهاكًا جسيمًا لمبدأي التمييز والتناسب وجريمة حرب واضحة. هنا تبرز المفارقة الأخلاقية والقانونية الفادحة: أين كان الخطاب الحقوقي الصارم حين قُتل الأطفال داخل مدرسة؟ ولماذا يُدان التحذير من خطر محتمل أكثر مما يُدان القصف الذي أزهق أرواحهم؟
إلى جانب القصف، اتبعت الدولة السودانية سياسة ممنهجة لمنع الإغاثة الإنسانية عن مناطق واسعة في جبال النوبة بين عامي 2011 و2019، شملت الغذاء والدواء واللقاحات. وقد أدى ذلك إلى وفيات يمكن تفاديها وانتشار واسع لسوء التغذية، خاصة بين الأطفال. استخدام التجويع كوسيلة حرب محظور صراحة في القانون الدولي الإنساني ويُصنّف كجريمة حرب. تجاهل هذا الملف، ثم التحدّث عن حماية المدنيين بلغة انتقائية، يُفرغ الخطاب الحقوقي من أي مضمون أخلاقي.
كما حوّل الجيش السوداني مدينتي كادقلي والدلنج إلى فضاءات عسكرية عبر نشر الثكنات والمدفعية ومخازن الذخيرة داخل الأحياء السكنية، مع منع المدنيين من الخروج الآمن. احتجاز المدنيين داخل مناطق الخطر، ثم الاستناد إلى وجودهم لتجريم الطرف الآخر، يمثّل نقلًا لعبء الحماية إلى الضحايا أنفسهم ويقع ضمن استخدام المدنيين كدروع بشرية، وهو ما يحرّمه القانون الدولي الإنساني بصورة قاطعة. تجريم التحذير من الخطر مع الصمت عن من يمنع الخروج ليس حماية للمدنيين، بل إدامة للخطر باسم القانون.
وليس الحديث عن التهجير القسري جديدًا على جبال النوبة. فقد شهد الإقليم، خصوصًا خلال التسعينيات وبدايات الألفية، تهجيرًا واسع النطاق إلى ما سُمّي “قرى السلام” في الأبيض و“معسكرات إعادة التوطين”، بهدف تفكيك البنية الاجتماعية وفرض السيطرة الثقافية والدينية. و فصل قسري للأطفال عن أسرهم هذا التهجير و الانتهاك موثّق دوليًا ويقع ضمن الجرائم ضد الإنسانية. المفارقة أن من صمت عن هذا التهجير الحقيقي، يُكثر اليوم من التحذير من “تهجير افتراضي” ناتج عن التحذير من خطر وشيك.
ويستند الخطاب المنتقَد للسيد تلفون كوكو إلى المادة (49) من اتفاقية جنيف الرابعة لتجريم أي دعوة للإجلاء، متجاهلًا الاستثناء الواضح في المادة (17) من البروتوكول الإضافي الثاني، التي تجيز الإجلاء الوقائي المؤقت إذا اقتضته سلامة المدنيين أو ضرورة عسكرية قهرية. المعيار القانوني ليس تحريم الإجلاء بالمطلق، بل تقييم الضرورة والتناسب وتدابير تقليل الضرر. إسقاط هذا التفريق يحوّل القانون من أداة لحماية الأرواح إلى أداة لتعطيلها.
في المحصلة، فإن خطاب تلفون كوكو، رغم لغته القانونية المنمّقة، لا يُسهم في حماية المدنيين بقدر ما يعيد إنتاج شروط تعريضهم للخطر. فهو يتجاهل سجلًا موثّقًا من القصف والحصار والتجويع وعسكرة المدن، وقصف مدرسة الهدّارا وقتل الأطفال، ثم يجرّم التحذير من الخطر بدل مساءلة من يصنعه. حماية المدنيين ليست شعارًا ولا حيلة لغوية، بل التزام قانوني وأخلاقي يبدأ بتسمية الجريمة، لا بتغطية الحريق بالعويش.
مشكلة خطاب تلفون كوكو ليست في موقفه السياسي، بل في تناقضه المنطقي: يدّعي الانحياز للهامش، بينما يدافع عن المشروع الذي قام تاريخيًا على سحق ذلك الهامش

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.