إعادة الإنتاج والتنزيح الثقافي وأثره على سيكولوجية شعوب الهامش!… رقم (١)

🖋️/ عيسى خميس مرفعين

 

 

السودان – ضواحي كادوقلي حاضرة إقليم جنوب كردفان/ جبال النوبة

 

في ظل المتغيرات والتحولات السياسية والإجتماعية التي تحدث الآن في الدولة السودانية وخاصة بعد ما إستشعرت معظم شعوب الهامش وبعض القوي الحية في السودان بخطر الإسلام السياسي وتهديده المباشر لوحدة التراب السوداني، فقد إجتمعت معظم قوى الهامش السوداني في العاصمة الكينية لصناعة واقع جديد و إعادة الدولة السودانية إلى منصة التأسيس.

 

برغم هذه الجهود الكبيرة التي قدمتها شعوب الهامش عبر نضالاتها الطويلة، إلا إنك تجد ان هناك البعض من أبناء الهامش لا زالوا يدعمون ويقاتلون بشراسة إلى جانب دولة الإرهاب والإسلام السياسي، والبعض منهم في حالة عجز وهوان، والسير في دروب الذل والاستسلام، ويبقي السؤال قائما ـ متى يتحررون من غفلتهم ويدركون طبيعة الصراع؟ لذلك يتحتم علينا البحث عن أنماط تفكيرهم وتحليل بنيتهم النفسية والاجتماعية التي شكلت قناعاتهم ومعتقداتهم الفكرية والسياسية.

 

حقيقة نحتاج لدراسة نفسية لشّعوب الهامش وبحثا يتفحّص جوانب عدّة لفهم الوضع بشكل دقيق، وهذه القضايا قادتنا لبعض النقاشات السياسية العميقة مع بعض القادة التاريخيين، وكان لي الشرف أن أتناقش معهم في الشأن السياسي بشكل عام وقضايا النوبة بشكل خالص، من ضمنهم: السياسي الضليع الراحل عمنا عطرون عطية، العم الراحل محمد حماد كوة، والقائد/ عبد العزيز آدم الحلو، والقائد/ كوكو محمد جقدول، المناضل الراحل المقيم الخبير الإقتصادي طالب حمدان تية، والمفكر الدكتور/ أبكر آدم إسماعيل – وآخرين من الرعيل الأول والثاني من المناضلين الشرفاء الذين عاصروا معظم الحقب التاريخية من نضالات شعب النوبة بشكل أخص، وبالرغم من ان هذه النقاشات تمت في مناسبات وجلسات مختلفة. إلا ان القاسم المشترك لهذه النقاشات هو: لماذا إنهزمت بعض حركات المقاومة والتنظيمات المطلبية السلمية لشعوب الهامش السوداني، أو تحولت لاحقا إلى أدوات أو آليات إحتواء تعمل لمصالح مركز السلطة في الخرطوم؟!!.

 

وبالرغم من إختلاف الرؤى، المدارس الفكرية ومناهج التحليل لبعض هؤلاء القادة، إلا إنهم جمعيا يتفقون بان عملية إجهاض الثورات والحركات المطلبية تم بفعل فاعل، وقد ساهم فيها الأفندية، المتعلمين والمثقفين من أبناء الهامش نفسه بعد عمليات إعادة الإنتاج التي تمت لهم ثقافيا واجتماعيا ودينيا، ودمجهم وإستيعابهم في حقل المركز، “الإسلاموعروبي” وأصبح هدفهم الوحيد تحقيق شروط ومعاير قبول المركز، من (توظيف، سكن، وسط اجتماعي جديد، وطموح وأمنيات شخصية جديدة، وبعض الامتيازات الشخصية التي تتماشي مع الحقل الجديد، .. إلخ) وبعدها يتم فصلهم تماما من مجتمعاتهم، أشواقهم، تطلعاتهم وأمنياتهم وحتى حقوقهم المشروعة، بل يتم استغلال البعض منهم في إختراق هذه المنظومات السياسية، والاجتماعية واستخدامهم في التأثير على نفسية جماهير الهامش، وتغيير مفاهيمهم وعقائدهم. وهذا عنصر مهمّ في علم النفس الاجتماعي ويسمى “علم نفس الجماهير”، وله دور كبير في دراسة نفسية الجماهير ومعرفة أفعالهم وردود أفعالهم.

 

يتحدّث “لوبون” كثيرا في كتابه عن (تأثير العرق على نفسية الجماهير)، وهو لم يقصد به العرق بمعناه المعروف، إنّما يقصد مجموعة جماهير قد عاشوا معا لفترة طويلة خضعوا فيها لنفس العقائد والقوانين شكّلت تفكير وروح تلك الجماهير. وهذا العنصر المهمّ، أي العرق، له دور كبير في دراسة نفسية الجماهير ومعرفة أفعالهم وردود أفعالهم. فهي نفس الطّريقة الّتي استخدمها المركز “الإسلاموعروبي” في التّأثير على الشّعب السوداني عامة والهامش بدرجات متفاوتة، في إعادة الإنتاج والتنزيح الثقافي والاجتماعي الذي تناوله الدكتور أبكر آدم إسماعيل في تحليله لعملية التنزيح الثقافي والاجتماعي. وهي العملية التي تجعل الفرد لا ينتمي إلى ثقافته أو مجموعته الاجتماعية أو تتلاشي فيه شخصية الفرد أو المجموعة، وينزح ثقافيا واجتماعيا إلى مجتمع آخر، وحينما يكون الفرد جزءا من جمهور لا يعلم مصالحه وأهدافه، فلا ذكاؤه سينفعه ولا علمه سيمكّنه من إتخاذ قرارات منطقية سليمة، وهذا ما يحدث الآن مع أبناء الهامش فيما يسمى بالقوات المسلحة السودانية.

الآن هم الضحايا ويتحمّسون لأفكار بعيدة عن واقعهم نتيجة التّحريض للعواطف والأفكار الدينية المتطرفة، وقد يفعلون أمورا لا يمكن أن يفعلوها إن كانوا مستقرين في حقلهم الثقافي والاجتماعي.

 

تحدّث “لوبون” كثيرا عمّا سمّاه العاطفة الدّينية، وهي ما أشعلت الانتفاضات الكبرى كما أدّت إلى تغييرات كبيرة، وهذه العقائد الدّينية ليست فقط دينية تخصّ دينا معيّنا، بل قد تكون فكرة سياسية تسيطر على عقلية الجماهير مبطنة بعقيدة دينية. وهذه العاطفة تملك قوّة مخيفة تجعل الجماهير تخضع لها خضوعا أعمى، فتمضي بعزم لحماية تلك العاطفة كما تعتبر كلّ من يرفضها عدوّا لهم.

 

هذا جزء بسيط لفهم طريقة تغبيش وعي الجماهير وإعادة إنتاجهم ومن ثم تنزيحهم ثقافيا واجتماعيا وتحويلهم لكتل بشرية خاملة ومطيعة، وجاهلة بطبيعة الصراع تصلح فقط للجندية والتحشيد والإستنفار والاستمرار في الركوض خلف تجارب “الإخوان المسلمين” الفاشلة التي دمرت السودان ومزقته.

 

في الحلقة القادمة سوف نتناول كيفية إستثمار “الإخوان المسلمين” في عمليات إعادة الإنتاج والتنزيح الثقافي الذي أنتج الإنقسام الطبقي والوجداني في حروبها العبثية التي شنتها ضد الشعب السوداني خاصة في حرب 15 أبريل 2023.

 

(أستخدت أدوات البحث الإلكترونية الحديثة في هذه الحلقة).

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.