
الجدل حول العلمانية
بقلم✍️🏽 \عصام حسب الله سليمان
“1”
إن تحديد معاني الألفاظ و المصطلحات التي نستخدمها في أي جدال أمر ضروري ومهم لاستبعاد الكثير من عوامل الاختلاف ومسبباته والناجمة عادة عن الفهم المتباين لها، ولنذكر على سبيل المثال لفظ الاشتراكية ومفهومها، فإذا كان المنطق في فهمها أنها الماركسية فحسب و أنها ملحدة…فإن صاحب النظرية الدينية يقف منها عند النقاش موقف الرفض النهائي الذي لا يقبل الأخذ و الرد ولا يحتمل المهادنة، في حين أنه لو أتيح له أن يفحصها مذهبًا من المذاهب السياسية و الاجتماعية المعاصرة، لوجدها تستهدف العدالة الاجتماعية,و أنها يمكن أن تكون معبّرة للشعب الذي يريد تطبيقها، ولا تعني بالضرورة الإلحادية والتقليد لنظرية بعينها، و لهذا يصبح النقاش حولها أمرًا ميسورًا، وقد يصل إلى نتيجة منطقية معقولة… ومن هنا فإن تحديد المعنى أو المعاني والمفاهيم حول العلمانية يوضح الأسس والضوابط التي لا بد منها لأجزاء هذا المقال الحوار حوله، و يمنع الشطط أو الخروج عن مجري الحوار العلمي المثمر … ذلك لأن ثمة فرقًا كبيرًا بين الحديث عن العلمانية وفي ذهني أنها لا تعني فصل الدين عن الدولة فحسب، و إنما تعنى الكفر الإلحاد أيضًا، فهي إذن مرفوضة ومحاربة من أي رجل من رجالات الدين المهتمين بالسياسة، في حين أنها لو فهمت بمعنى منع رجال الدين المتعصبين من فرض سيطرتهم على الدولة و المجتمع وتمرير أجندتهم السياسية و الثقافية وفق اجتهاداتهم التي يعتبرونها من صميم الدين، و أنها فوق ذلك لا تعني الإلحاد، بل تضمن حرية العبادة والتديّن لأي مواطن و أنها مجرد صيغة تنظيمية تستبعد عوامل النزاع والمشاحنة وتمنع انتشارها إلى الدولة والمجتمع باسم الدين …لذا نقول لو فهمت العلمانية كذلك لأصبح النقاش حولها مفيدًا ويمكن أن يفضي إلى نتيجة منطقية ومجدية.
و استنادًا إلى ما تقدم و للبت أو الحديث عن العلمانية لا بد للمتحدث أن يتعرّف على العلمانية من الناحية اللغوية وتحديد معانيها الفنية، و من ثم معرفة نشأتها التاريخية في أروبا، ومراحل تطوّرها ثم انتقالها إلى أفريقية والوطن العربي و من ثم إلى الأنظمة الأفريقية والعربية القائمة حاليًا… فبالتالي من خلال ذلك يمكن أن يتم التحاور و النقاش عن مفاهيم العلمانية… وبذلك أيضًا يمكن الوصول إلى تحديد مفاهيمها المتباينة و الأغراض التي تنبني عليها و تستهدفها، و من ثم إطلاق الحكم عليها…لذا نورد للقارئي العزيز تعريف العلمانية ونشأتها، كما نوضح للقارئ الكريم الّا يتم التعليق أو النقاش حول هذه المفاهيم إلا بعد قراءة كل أجزاء حلقات المقال من (1 الى 3 ) حتى نستطيع أن نجعل من وسيلة الحوار البنّاءة مدخلًا عن موضوع العلمانية، بالتالي يمكن الوصل إلى نقاط مشتركة حول مفاهيم
العلمانية كمصطلح
(Secularise) وبالفرنسية (Secular) تعني دنيويا غير ديني, ويقابلها الإنجليزية،و كما ورد في معجم العلوم الاجتماعية نسبة إلى (معني العالم , وهو خلافLaique أو
الديني أو الكهنوتي…
في مناقشات البرلمان الفرنسي للدستور في العام 1946م ورد تعريف العلمانية بأنها حيادة الدولة تجاه الدين، كل دين طبعًا… و بعبارة مؤجزة عن العلمانية بفتح العين وتسكين اللام من أي العالم أو الكون وتعني الفصل بين السياسة و الدين، وهذا لا يعني أن السياسة تعادي الدين أو أن الحاكم ملحد أو أن الدولة العلمانية ملحدة… و كما و يعرفها البعض بقوله (هي النظام الذي يضع حاجزًا فاصلًا بين القطاعين الروح الزمن وفق تعريف الفقه المسيحي و المعاملات والعبادات حسب الفقه الإسلامي )…بإختصار شديد نلخص كل ماتقدم إلى تعريف عام للعلمانية على النحو التالي : هي جملة من التدابير و النظم و القوانين جاءت نتيجة للصراع الطويل و الشديد بين الحلقتين الدينية والدنيوية في أروبا واستهدفت فك الاشتباك بينهما , و إعتماد فكرة الفصل بين الدين والدولة بما يضمن حياد مؤوسسات الدولة عن الأديان، أي دين كان ويضمن حرية الرأي والفكر و العقيدة الدينية، ويمنع رجال الدين من أعطاء أرائهم واجتهاداتهم صفة مقدسة باسم الدين و من ثم فرضها على الأفراد و المجتمع و الدولة، غير أن هذا المفهوم للعلمانية لم يقف في هذا الحدود المبسطة , بل أصبحت لها مع مرور الزمن عدة مفاهيم متباينة.
يواصل..
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.