العدالة الجندرية في دستور جمهورية السودان الإنتقالي لسنة 2025م

✍️🏽 متوكل عثمان سلامات

 

 

المقدمة:

تمثل المادة (22) من دستور جمهورية السودان الإنتقالي لسنة 2025م نقلة نوعية في مسار حماية حقوق المرأة في السودان، إذ تجاوزت حدود الصياغة الشكلية للمساواة إلى تبنّي رؤية شاملة للعدالة الجندرية والتمكين السياسي والاقتصادي والاجتماعي. فهي مادة تأسيسية تربط بين القانون الوطني والقانون الدولي، وتعيد تعريف علاقة الدولة بالمرأة ليس كـ(فئة محمية) بل كمواطنة كاملة الأهلية والكرامة.

تأتي هذه المادة في سياق تحولات بنيوية يشهدها السودان نحو بناء دولة علمانية ديمقراطية لامركزية، تسعى إلى تجاوز الإرث الذكوري والقانوني المتراكم منذ الإستقلال الزائف، وإرساء مبدأ المساواة الموضوعية في الحقوق والفرص والنتائج.

 

*أولاً: النص الدستوري:*

نصت المادة (22) دستور جمهورية السودان الإنتقالي لسنة 2025م على الآتي:

حقوق المرأة:

* تحمي الدولة حقوق المرأة كما وردت في المواثيق والإتفاقيات والإعلانات الدولية والإقليمية التي صادق عليها السودان.

* تكفل الدولة للنساء الحق المتساوي في التمتع بكافة الحقوق المدنية والسياسية، بما في ذلك تولي المناصب القيادية، والحق في التدريب والترقي وكافة المزايا الوظيفية الأخرى، ويشمل ذلك تكافؤ الفرص في جميع أجهزة الدولة. كما تكفل الدولة الحق المتساوي للنساء في الحقوق الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، بما في ذلك الحق في الأجر المتساوي للعمل المتساوي وتكافؤ الفرص، وحق التملك والوصول إلى الموارد.

* تتخذ الدولة كل تدابير التمييز الإيجابي لتعزيز مشاركة النساء في جميع أجهزة الدولة ومؤسساتها، وفي كافة المجالات.

* تلتزم الدولة بإلغاء أو تعديل جميع القوانين والتشريعات التي تنتهك أو تنتقص من حقوق المرأة، ومواءمتها مع الاتفاقيات والمعاهدات الدولية، وبالتوقيع والمصادقة على المعاهدات والاتفاقيات الإقليمية والدولية الخاصة بحقوق المرأة والتي لم يتم التوقيع عليها، كما تعمل على مناهضة العادات والأعراف التي تقلل من كرامة المرأة أو تحط من قدرها.

* تتخذ الدولة التدابير الكفيلة بالقضاء على كافة أشكال العنف ضد المرأة.

* تكفل الدولة الصحة الإنجابية، بما في ذلك توفير الرعاية الصحية المجانية للأمومة.

بالتأمل في نصوص المادة أعلاه يمكنا ملاحظة شمول النص في الآتي:

 

الربط بين الدستور والقانون الدولي:

تقر الفقرة (1) بأن الدولة تلتزم بالمواثيق الدولية، مثل اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) وبروتوكول (مابوتو) وهو البرتوكول الملحق بالميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب والمتعلق بحقوق المرأة في أفريقيا، وتم اعتماده في مابوتو- موزمبيق سنة ٢٠٠٣م. بذلك، يصبح الإلتزام بالمعايير الدولية إلتزاماً دستورياً مباشراً، لا مجرد خيار سياسي، وهو تطور متقدم في الفقه الدستوري العربي والأفريقي.

المساواة الفعلية لا الشكلية:

الفقرة (2) تنص على تكافؤ الحقوق في المجالات كافة، مع تأكيد المساواة في التملك والترقية والأجر، مما يجعل المساواة هنا مبدأً عملياً منتجاً للنتائج، لا مجرد مساواة قانونية شكلية. إنها صياغة تقترب من مفهوم “العدالة الجندرية” الذي يسعى لتحقيق تكافؤ الفرص والنتائج معاً.

التمييز الإيجابي كآلية للعدالة التصحيحية:

الفقرة (3) تضع التمييز الإيجابي في صلب النص الدستوري، باعتباره أداة لتصحيح الاختلال التاريخي في تمثيل النساء في أجهزة الدولة، فقد خصص هذا الدستور نسبة 40% لتمثيل النساء في الهيئة التشريعية التأسيسية. هذه الفقرة تحاكي تجارب دول مثل جنوب أفريقيا وكينيا التي خصصت نسبًا تمثيلية للنساء في البرلمانات والمؤسسات العامة.

مراجعة التشريعات والأعراف:

الفقرة (4) تُحمّل الدولة مسؤولية مزدوجة: إصلاح القوانين ومناهضة الأعراف الثقافية التي تُهين المرأة، وهو إدماج ذكي بين القانون الرسمي والقانون الإجتماعي، يعكس إدراك المشرع لأهمية البنية الثقافية في تحقيق العدالة.

مكافحة العنف والحقوق الإنجابية:

الفقرتان (5) و(6) تتعاملان مع المرأة بوصفها كائناً ذا حق في الجسد والسلامة والرعاية. فهي تمنع العنف بجميع أشكاله وتؤسس لحق الصحة الإنجابية كجزء من حقوق الإنسان، وفق فلسفة “العدالة الإنجابية” التي ترى أن التحكم في الجسد والخصوبة جزء من حرية الإنسان وكرامته.

ثانياً: المنظور الفكري الدستوري والقانوني:

من المساواة القانونية إلى العدالة الجندرية:

المادة (22) لا تكتفي بتأكيد المساواة أمام القانون، بل تسعى لتحقيق العدالة الجندرية، أي إزالة التفاوت البنيوي الناتج عن قرون من التمييز. هذا التحول يعكس تطور الفكر الدستوري العالمي نحو مفاهيم مثل “القدرات الإنسانية” عند مارثا نسباوم Martha Nussbaum و”نظرية الهيمنة” عند كاثرين ماكينون Catharine MacKinnon.

 

التمييز الإيجابي كعدالة تصحيحية:

إن إقرار التمييز الإيجابي في النص الدستوري هو إعتراف بأن المساواة الحقيقية لا تتحقق إلا عبر سياسات تعويضية مؤقتة. هذا يتسق مع فلسفة العدالة عند جون راولس John Rawls في مبدأ “الإنصاف”، حيث تُمنح الفئات المتأخرة فرصاً إضافية لتحقيق توازن فعلي في المجتمع.

الحق في الجسد والكرامة الإنسانية:

الفقرتان (5) و(6) تنقلان النقاش من حقوق المرأة التقليدية إلى الحق في الجسد، وهو تطور فلسفي عميق في الفكر القانوني السوداني. هنا تتجلى مفاهيم “الرعاية” و”الحرية الإنجابية” كما صاغتها مفكرات مثل لوراتا روس Loretta Ross و ريبيكا كوك Rebecca Cook، حيث يصبح الجسد الإنساني مجالاً للسيادة الفردية لا للرقابة الاجتماعية.

ثالثاً: المقارنة الدستورية:

جنوب أفريقيا: ينص الدستور على التمييز الإيجابي الإلزامي وحماية الصحة الإنجابية ومنع العنف ضد المرأة؛ وهو ما يجعل التشابه شبه كامل مع المادة (22).

كينيا: خصص الدستور نسباً تمثيلية للنساء في البرلمان والمناصب العامة، ونص على مكافحة الأعراف التي تميّز ضد المرأة، مما يجعلها الأقرب إلى النموذج السوداني.

الهند: رغم وجود قوانين متقدمة في الميراث والعنف الأسري، فإن غياب نص دستوري شامل يجعل التجربة أقل شمولاً.

فرنسا وألمانيا: تؤكدان المساواة بين الجنسين، لكن لا تنصان على التمييز الإيجابي أو الحقوق الإنجابية دستورياً.

تونس: تقدمت في الإعتراف بالمساواة، لكن لم تدمج بعد الحقوق الإنجابية أو حظر العادات الثقافية صراحة في نصوصها الدستورية.

ختاماً، تجسد المادة (22) من دستور جمهورية السودان الإنتقالي لسنة 2025م رؤية جديدة للعدالة الدستورية في السودان، فهي لا تحمي المرأة فقط من التمييز، بل تضع أساساً لنظام قانوني قائم على العدالة الجندرية والمواطنة الكاملة.

إنها مادة تؤسس لعقد إجتماعي جديد بين الدولة والمرأة، يجعل المساواة والتمكين جزءاً من هوية الدولة العلمانية الحديثة، ويعيد تعريف علاقة السودان بالمواثيق الدولية، ويضعه ضمن الدول الرائدة في إفريقيا في حماية حقوق المرأة.

 

متوكل عثمان سلامات

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.