
مفهوم السلام (2 -2)
مبقلم: عصام حسب الله سليمان [email protected].
يُطبّق مفهوم السلام في القانون الدولي عبر عدة مبادئ وإجراءات أساسية منصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة وغيره من الاتفاقيات الدولية، والتي تهدف إلى تحقيق الأمن والاستقرار العالمي. هذه المبادئ تتضمن أكثر من ثمانية نقاط رئسية (راجع ميثاق الأمم المتحدة)
بإختصار، القانون الدولي يطبق مفهوم السلام ليس فقط عبر منع الحرب وإنما من خلال آليات متعددة تهدف إلى التسوية السلمية للنزاعات، الحفاظ على السلام والأمن الدوليين، وحماية حقوق الإنسان كأساس للسلام الدائم .
ظلت الدولة السودانية بلا سلام منذ العام 1955 مضي ما يقارب ال “70 “عام من عمر ما يسمى بالإستقلال والبلاد ما زالت في مستنقع الحروبات والإقتتال مما أدى إلى موت الملايين من أبناء وطننا، وتشريد ونزوح ولجوء عشرات الآلاف، إنفصال الثلث من مساحته، وإيصال السواد الأعظم من الشعب إلى حالة فقر مدقع وجوع وأمراض تكاد أن تنعدم في العديد من بلدان العالم على الرغم من أن البلاد لقبت بسلة غذاء العالم.
إنطلقت شرارة الحرب الأولى في الدولة السودانية الحديثة في العام 1955 وهي ثورة “الأنانيا 1” بمنطقة توريت وإستمرت حتي العام 1972 وتم إيقافها بموجب إتفاقية أديس أبابا للسلام في عهد الرئيس الأسبق جعفر محمد نميري، وإستمر هذا السلام فترة لا تتعدى العشرة سنوات، إشتعلت نيران الحرب من جديد مرة ثانية في العام 1982 “أنانيا 2) ومن ثم الحركة الشعبية لتحرير السودان بمدينة “بور” بقيادة المفكر د. جون قرنق ديمبيور أتيم وإستمرت لأكثر من عقدين من الزمان وخلال هذه الفترة كانت هنالك عدة محاولات غير جادة لإحلال السلام أشهرها إتفاقية (الميرغني – قرنق) في العام 1988 والتي أفشلت توقيعها إنقلاب الحركة الإسلامية بقيادة البشير. وفي عهد حكومته تم إجراء عدة محادثات سلام وقد توصلت هذه المحاولات الفاشلة إلى إتفاقيات سلام وهمية في الفترة ما بين العام 1997 إلى 1998 وهي: إتفاقية الخرطوم للسلام، فشودة. والموقعوم هم (محمد هارون كافي، يونس دومي كالو، د. رياك مشار، كاربينو كوانين، ود. لام أكول أجاوين).
ثم تليها إتفاقية سويسرا لوقف إطلاق النار بجبال النوبة في العام 2002، ثم تتبعها اتفاقية السلام الشامل في العام 2005 وإستمرت هذه الهدنة لمدة ستة سنوات وبموجب هذه الإتفاقية (CPA) تم إستقلال جنوب السودان. علما بأن هناك حروبات إندلاعت في منطقة دافور في العام 2002 بقيادة المناضل عبد الواحد محمد نور ومعه مني أركو مناوي، وتلاها حركة العدل والمساوة بقيادة الراحل المناضل خليل إبراهيم وحرب في شرق السودان، ثم تشتعل نيران الحروب مرة ثانية في مناطق جبال النوبة والنيل الأزرق في العام 2011 لتستمر إلى يومنا هذا برغم إن هنالك إتفاقات تم توقيعها مثل إتفاقية أبوجا لسلام دارفور التي تمت مع “مني أركو” ثم أخيرا إتفاقية سلام جوبا.
كل هذه الإتفاقيات التي تمت لا يمكن أن نسميها سلام سلبي حت.، لأنها لم تستطيع إيقاف الحرب ناهيك أن تعالج الأزمة. وإلا ما معنى أن توقع إتفاق سلام ولا تحقق سلام، والحرب ما زالت مستمرة في البلاد بإستثناء إتفاقيتي (أديس أبابا 1972 – والسلام الشامل 2005). كل هذه الإتفاقيات يمكن أن نسميها ” إتفاقيات سلام سلبي” لأنها أوقفت الحرب، لكنها لم تعالج الأزمة السودانية بدليل إن الحروب ما زالت مشتعلة في أجزاء كبيرة من السودان وصلت حتى العاصمة الخرطوم، ثم شمال السودان، الجزيرة، وسنار. مما أدى إلى تعميم الحروب في جميع أنحاء البلاد لتتذوق جميع الشعوب السودانية مرارات وويلات الحروب.
وهنا نطرح السؤال الموضوعي هل كل هذه الحروب التي إندلعت كانت عبثية دون أسباب أو “بس حبا في القتال” ؟ الإجابة بالتأكيد لا. بل توجد أزمة ومشكلة حقيقية في السودان. وكل الأنظمة السياسية التي تعاقت على السلطة في الخرطوم وكل النخب السياسية التي فرضت وصنفت نفسها راعية للوطنية، ما كانت لديها الرغبة الحقيقية في حل الأزمة السودانية من الجذور، فقط كانت تريد إيقاف الحرب دون معالجة المشكلة وهذا ما يستحال حدوثه فقط ستظل البلاد في حالة من الهدنة لفترة قصيرة ثم حرب طويلة الأمد ثم هدنة مرة ثانية ثم حرب وهكذا يستمر الحال إلى ما لا نهاية ولا تستطيع الحكومات القضاء على التمرد بقوة السلاح كما زعمت حكومة البشير وكما تزعم حكومة البرهان في هذه الأيام لأن طبوغرافيا مناطق مثل جبال النوبة، الفونج، ودارفور، “خاصة جبل مرة”، لا تستطيع أن تقضي على التمرد بقوة السلاح. صحيح يمكن أن تحدث خسائر لكن إذا تبقت فصيلة واحدة يمكن أن تزعزع الأمن، في النهاية سوف يتم التفاوض معها ولو بعد عشرين عام، إذا لماذا لا نفاوضهم الآن لتقليل حجم الخسائر.
فملخص الحديث أن نسعى جميعا ـ شباب، نساء، إدارات أهلية، منظمات مجتمع مدني، تنظيمات سياسية، حركات كفاح مسلح، كل هذه الفئات والأطراف إن كانت لدينا الرغبة الحقيقية لتحقيق هذا النوع من السلام. السلام الإيجابي الذي يتم بمعالجة جذور الأزمة السودانية. وهذا يتطلب خطوات جادة تتمثل في الآتي:
– إعتماد إستراتيجيات شاملة ومتعددة الأبعاد تعالج جذور النزاعات والأزمة السودانية ونبني بيئة من العدالة والتنمية والثقة المتبادلة من بين الإستراتيجيات الدبلوماسية والحوار المتعدد الأطراف وتعزيز الحوار بين الدولة والمجتمعات والوساطة والتفاوض من خلال منظمات دولية وإقليمية لتجنب التصعيد وحل النزاعات سلميا.
-التسامح والمصالحة الوطنية والعدالة والمحاسبة التاريخية، الإعتراف بالأخطاء والإنتهاكات، وتنفيذ محاكم عادلة وبرامج جبر الضرر وإعادة الإدماج للمجتماعات المتضررة مما يسهم في طي صفحة الماضي وبناء الثقة والتنمية الإجتماعية بتقليل الفوارق الإقتصادية والاجتماعية ومحاربة الفقر والبطالة وتحسين الخدمات الصحية والتعليمية وتمكين المرأة والشباب إقتصاديا وإجتماعيا.
-تعزيز الحكم الرشيد وسيادة القانون وبناء مؤسسات قوية ونزيهة تحمي حقوق الانسان وتطبيق القانون بعدالة وتوفير الامان للموطنين.
-مكافحة خطاب الكراهية والتطرف ومراقبة الاعلام وتعزيز الخطاب الديني الثقافي المعتدلة وتقديم بدائيل فكرية ايجابية للشباب عن طريق الحوار والتفاهم الثقافي الديني وتنظيم لقاءات ومؤتمرات تعزز التسامح وقبول الاخر ونشر اعلام ايجابي يعزز الوحدة الاجتماعية.
بهذه الخطوات الجريئة يمكن أن نخرج ببلادنا إلى بر الأمان ونلحق بركب العالم و إلا سوف يشهد وطننا مزيدا من الإنقسامات والتشرذم، وتتصعد الحروب إلى مراحل أسوأ وأوسع مما كان.