من هو كوشيب؟ الحكاية الأعمق من الحرب.

✍️🏽 إسماعيل هجانة

 

 

علي محمد عبد الرحمن، المعروف باسم علي كوشيب، أحد أبرز رموز الإجرام في تاريخ السودان الحديث ووجه من وجوه المشروع الدموي الذي صاغته الحركة الإسلامية السودانية تحت حكم عمر البشير. كان أحد أعمدة آلة الموت التي حوّلت دارفور إلى مسرح للإبادة الجماعية والتطهير العرقي.

 

وُلد كوشيب في منطقة وادي صالح بغرب دارفور، وعمل في بداياته ضمن قوات الدفاع الشعبي، وهي إحدى الأذرع شبه العسكرية التي أنشأها نظام البشير لتجنيد المدنيين وتسليحهم خدمة لأجندته الأيديولوجية. سرعان ما صعد نجمه وأصبح من القادة الميدانيين في ميليشيات الجنجويد التي شكّلتها الحركة الإسلامية لتدمير المجتمعات الإفريقية في دارفور تحت ذريعة مكافحة التمرد.

 

بين عامي 2003 و2004، قاد علي كوشيب حملات عسكرية ضد قرى الفور والمساليت والزغاوة في مناطق كودوم، بنديسي، مكجر، ودليج. تحت قيادته، ارتُكبت فظائع لا توصف، منها مقتل أكثر من 500 مدني في عمليات منظمة، وارتكاب عشرات جرائم الاغتصاب الجماعي بحق نساء وفتيات، وتهجير قسري لأكثر من 41 ألف إنسان من ديارهم، إضافة إلى حرق قرى ونهب الممتلكات وقتل الأطفال والنساء بوحشية. تحدث شهود عيان عن كوشيب وهو يطلق النار على الأطفال بيده، ويشرف على تعذيب الرجال الكبار ودفن البعض أحياءً، فيما تُغتصب النساء أمام أسرهن.

 

جرائم كوشيب كانت نتاج منظومة منسقة بين السياسيين والعسكريين الإسلاميين. أحمد هارون تولّى الإشراف المباشر على تمويل وتسليح الجنجويد، وسلّم بنفسه الأموال والذخائر لكوشيب خلال اجتماعات موثقة أبرزها في أغسطس 2003. علي عثمان محمد طه وفّر الغطاء السياسي للمجازر ضمن ما سُمّي بسياسة “الأرض المحروقة”، وحرص على تحييد أي مساءلة داخلية أو خارجية. أما عمر البشير فقد أطلق يدهم جميعًا دون محاسبة، وحوّل مؤسسات الدولة إلى أدوات لتغطية جرائم الحرب تحت شعار “الحفاظ على الأمن القومي”.

 

في أبريل 2007، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف بحق كوشيب بتهم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، ثم أضافت لاحقًا مزيدًا من التهم ليصل مجموعها إلى 31 تهمة تشمل القتل والاغتصاب والتعذيب والتهجير القسري. وبعد سنوات من الحماية التي وفّرها له النظام في الخرطوم، سلّم كوشيب نفسه طوعًا في يونيو 2020 إلى سلطات إفريقيا الوسطى، ليُسلَّم إلى لاهاي حيث بدأت جلسات محاكمته في 2021.

 

علي كوشيب نتاج مشروع فكري وسياسي كامل هندسته الحركة الإسلامية السودانية، حوّل الإنسان إلى أداة قتل باسم الدين والسلطة. من خلاله، تجسدت فلسفة الكيزان في الحكم — البقاء بالدم والسيطرة بالخوف وتفكيك المجتمع عبر الانقسام والدمار.

 

إدانة علي كوشيب اليوم خطوة أولى في طريق العدالة، لكنها لا تُنهي المأساة. فالجرائم ارتُكبت بعقل دولة عميقة ما زالت تحتمي ببزّات عسكرية وشعارات دينية. ستظل دارفور شاهدة على أن الكيزان صُنّاع الموت في السودان، وأن القصاص لن يكتمل حتى يُحاسَب كل من موّل ووجّه وأصدر الأوامر من قصر الخرطوم إلى ميدان الجريمة في دارفور.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.