حول مسألة الهوية في السودان

✍🏾 رانيا ونزا

 

 

 

ظل السودان وطناً متنوعاً لفترة تقارب الخمسة قرون، ولكن خلال المائة عام الأخيرة أصبح هذا التنوع مصدراً للصراع بسبب منطق الحكم الاستعماري.

 

بعد مطلع القرن العشرين، وبوتيرة متسارعة وتركيز متزايد، أدخلت السلطات الاستعمارية القبلية إلى السودان، راسمة حدوداً قانونية ومادية بين الجماعات التي كانت متمازجة سابقاً فيما بينها، ونصبوا عليهم نظاماً من حكم الأسياد اخترعه المديرون الاستعماريون. لم يكن على السلطات الاستعمارية أن تخبر الشعوب السودانية المتنوعة بأنهم مختلفون عن بعضهم، بل كانوا يعرفون ذلك أصلاً.

 

إلا أن ما فعلوه هو استثمار هذه الاختلافات بغرض سياسي وتحويل الاختلافات الثقافية إلى حدود من السلطة، وقرروا ما الصلاحيات التي تملكها تلك السلطة، ففصلوا الاختلاف اللغوي للعرب عن غيرهم، وفصلوا التنوع الإثني للجماعات الأخرى.

 

كان الانقسام الكبير بين العرب والأفارقة كفكرة مترسخة في الأيديولوجيا العرقية الأوروبية. أولئك الذين اعتُبروا أفارقة تم تحريضهم ضد بعضهم بعضاً، أما الذين اعتُبروا عرباً فتم تحريضهم ضد من اعتُبروا أفارقة. واستُخدم الاختلاف بين الشعوب المستعمَرة لإبقائهم في عداء دائم فيما بينهم بدلاً من أن يعادوا المستعمِر.

 

أظهر الانتصار المهداوي والثلاثون عاماً اللاحقة من المقاومة قدرة الوحدة السودانية على تحقيق الانعتاق، ولذلك كان لابد من منع هذه الوحدة بكل الأشكال الممكنة، وبالتالي استدامة الحكم الاستعماري. استبطن العرب هذه الصيغة الاستعمارية، وسعى المفكرون والسياسيون الذين ينظرون إلى أنفسهم بأنهم عرب إلى تعريف السودان بأنه دولة عربية، في حين ظل الأفارقة يُنظر إليهم كطبقة أدنى ستظل مهمشة إلى الأبد.

 

بالإضافة إلى ذلك، مورست سياسات الاستحقاق ضد الشعوب الأفريقية لفترة طويلة، بما انعكس عليها من أوضاع مادية صعبة ونظرة دونية لمن وقع عليهم الاسترقاق وعرقهم مقارنة بمن لم يقع عليهم الرق. تسرب هذا الانقسام إلى وعي من يُسمَّون عرباً ووعي من يُسمَّون أفارقة، وأصبح يبدو وكأنه النظام الطبيعي للأشياء.

 

هذا الإرث الاستعماري ولد خطي صدع كبيرين، وجعل الإثنية معلماً مهماً في الحياة العامة، وعلى أساسه يمكن تحديد كينونة الشعب وحكمه وكينونة الفرد وكيفية التعامل معه.

 

ونواصل…

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.