المجتمع المدني ومشروع السودان الجديد مقاربة سياسية وثقافية ما بعد الكولونيالية (12 – 12)

✍️🏽 متوكل عثمان سلامات

 

 

آفاق وتحديات المجتمع المدني في الدولة العلمانية الديمقراطية

بينما يفتح مشروع السودان الجديد أفقاً لدولة علمانية ديمقراطية تُعيد تأسيس العلاقة بين المواطن والدولة على أساس الحقوق والحريات والمساواة، فإن المجتمع المدني، بوصفه الحاضنة الطبيعية لهذا التحول، يواجه مجموعة من التحديات البنيوية والثقافية والسياسية التي تهدد قدرته على أن يكون فاعلاً حقيقياً في هذا السياق الجديد.

هذا المقال الأخير من سلسلة المجتمع المدني ومشروع السودان الجديد – مقاربة سياسية وثقافية ما بعد الكولونيالية، يتناول ويحلل البنية التحتية والتنظيمية من حيث ضعف التشريعات وهشاشة المؤسسات، والإختراق السياسي والدولي والتمويل الخارجي، وتعدد الولاءات الحزبية والدينية والقبلية والعرقية، وتحديات الهُوية والتعدد؛ من حيث الطائفية والقبلية والجهوية والعنصرية، وأزمة الثقة والنخبوية؛ ضعف الرابط بين منظمات المجتمع المدني والمجتمعات المحلية، ومن ثم مركزية الخرطوم في الفعل المدني.

أولاً: البنية التحتية والتنظيمية؛ بين هشاشة القانون وضعف المؤسسات:

رغم إتساع الفضاء المدني بعد ثورة ديسمبر، لا يزال المجتمع المدني في السودان يفتقر إلى بنية تشريعية ومؤسسية صلبة. ويبرز هذا القصور في:

ضعف الأطر القانونية: قوانين العمل الطوعي والجمعيات ما تزال مستمدة من مناخ شمولي، وتفتقر للضمانات الدستورية.

غياب تشريعات الحماية: لا توجد قوانين فاعلة لحماية المدافعين عن حقوق الإنسان، أو لضمان الإستقلال المالي والتنظيمي للمنظمات المدنية.

هشاشة البنية المؤسسية: أغلب منظمات المجتمع المدني تعاني من ضعف في القدرات الإدارية، والإعتماد المفرط على أفراد لا على أنظمة.

إن غياب الدولة الراعية لديمقراطية مؤسسية يجعل المجتمع المدني يدور في دائرة مؤقتة، تتغذى على رد الفعل، ولا تؤسس للفعل المستدام.

ثانياً: الإختراق السياسي والدولي؛ التمويل والتبعية والتشظي:

التمويل الخارجي:

أغلب منظمات المجتمع المدني تعتمد كلياً على منح وتمويل من مؤسسات أجنبية، ما يجعلها:

عرضة للتبعية ولأجندات المانحين.

معزولة عن واقعها المجتمعي.

عاجزة عن الإعتماد على الذات والتمويل المحلي، ويحضرني في هذا الخصوص ونحن حضور في أحد إجتماعات القوى السياسية والمدنية والمهنية السودانية الذي دعى له الإتحاد الإفريقي والإيقاد وإنعقد بتاريخ 10/8/2025م بمقر الإتحاد الإفريقي بأديس أبابا للتفاكر حول الترتيب للحوار السياسي بين السودانيين، من حيث تحديد الأطراف، والأجندة وجدول الأعمال والزمان والمكان والدعم المالي، فمن ضمن المقترحات التي قدمتها الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال فيما يتعلق بالدعم المالي، أن يتم تحديد التكلفة المالية للحوار ويقسم على أطراف العملية السياسية وتعلن هذه الأطراف عضويتها وجماهيرالشعوب السودانية بتكلفة للمساهمة والمشاركة، ومن ثم الرجوع للمجتمع الإقليمي والدولي الراغب في المساهمة لتكملة عجز التكلفة، ولكن للأسف تم رفض المقترح.

الولاءات المتعددة:

يواجه المجتمع المدني تحدياً عميقاً يتمثل في تعدد الولاءات التي تعيق بناء حركة مدنية وطنية موحدة في التنوع:

الولاءات الحزبية: منظمات مرتبطة بأحزاب تسعى لإستخدام الفضاء المدني لمراكمة النفوذ.

الولاءات الدينية: منظمات مرتبطة بتنظيمات وأحزاب دينية وتعمل على خلق إنقسامات في المجتمع حول قضايا مثل حقوق المرأة والمواطنة المتساوية، وعلاقة الدين بالدولة وهوية الدولة وإحترام سيادة الدول.

الولاءات القبلية والعرقية: ظهور منظمات تعمل على تعزيز الإنتماء الهوياتي الضيق المتمثل في العرق والقبيلة بدلاً من العمل الوطني العام. كل هذه الولاءات الجزئية والناتجة عن عدم القدرة على التفكير الكلي، تقوض المشترك المدني الوطني، وتُفكك إمكانيات التنظيم حول الحقوق الشاملة للشعوب السودانية المتعددة والمتنوعة.

ثالثاً: تحديات الهوية والتعدد؛ الطائفية والقبلية والجهوية والعنصرية:

لا يمكن بناء مجتمع مدني حرّ دون تجاوز الهويات الجزئية كقاعدة للفعل السياسي والمدني. غير أن الواقع السوداني كان ولازال حتى ما بعد الثورة مرتهناً بالآتي:

الطائفية السياسية: مؤسسات دينية سياسية تفرض سطوتها بإسم التراث الديني والعرقي على الشعوب السودانية قسراً، وتستغل وتفرق وتزرع الفتن والموت بينهم، وهو الأمر الذي أدركه كل من اللواء (م) فضل الله برمة ناصر رئيس حزب الأمة القومي الرجل الذي عركته التجارب وعرف بعمق كيف إستغلت وتستغل النخب المركزية في دولة ما بعد الإستعمار أبناء وبنات الهامش ضد بعضهم؛ والأستاذ/ إبراهيم الميرغني الشاب الذي ورث حكمة والده وعرف كيف يفكر الجيل الجديد في السودان من خلال تواصله وحضوره بينهم، وقد تفوق على بقية آل الميرغني وعياً وإدراكاً لطبيعة واقع الدولة والشعوب السودانية، وقد عمل كل من الرجلين على تجاوز الأفكار والهويات الجزئية التي أنتجت الحروب والتطرف وخلطت الدين بالدولة، وكان حزبي الأمة والإتحادي هما أول ضحاياه، لذا فإن إتجاه إرادة الحزبين الإتحادي والأمة نحو بناء مجتمع مدني سوداني حرّ مع بقية السودانيين في تحالف السودان التأسيسي – تأسيس وتشكيل حكومة السلام والوحدة لموقف شجاع ونظرة ثاقبة لن يدركها الجيل الحالي من التنظيمين إلا من رحم.

القبلية كهوية سياسية: وهي تُستخدمها الدولة لتقويض الوحدة الإجتماعية، وإعادة إنتاج الإستقطاب، وإبتزاز المجموعات السودانية التي تمتد جزورها إلى غرب إفريقيا، وإحتكار السلطة والثروة، .

العنصرية: وتمارسها الدولة ونخب المكونات الحاكمة تاريخياً تجاه سكان الهامش من السودانيين والنساء، والأفارقة غير المستعربين والمستعربين، مما أنتج عنصرية مضادة تجاه هذه النخب ومكوناتهم.

الجهوية: كل إقليم مستبعد من السلطة والثروة يرى ذاته مستثنى من المركز، لا بوصفه مواطناً بل بإعتباره ضحية.

تنتج هذه المعطيات أزمة ثقة عميقة داخل المجتمع نفسه، ما يجعل بناء مجتمع مدني قائم على المواطنة والكرامة والمساواة عملية معقدة ثقافياً قبل أن تكون قانونياً.

رابعاًً: أزمة الثقة والنخبوية؛ المجتمع المدني في برجه العاجي:

يواجه الفاعلون المدنيون نقداً مشروعاً بأنهم:

نخبويون؛ ينشطون في العاصمة، بل وفي أحياء معينة، معزولين عن الغالبية العظمى من المواطنين.

مؤسسون على اللغة الحقوقية الإسلاموعروبية والنخبوية التي تميّز بين السودانيين.

ضعفاء في الفعل القاعدي العام، ما يجعل مبادراتهم لا تُحدث تحولاً إجتماعياً حقيقياً.

كما أن مركزية الخرطوم تحوّل كل حدث مدني إلى مهرجان صفوي، دون جذور في الواقع المحلي. ويظل الريف والأطراف وحتى الخرطوم نفسها وبورتسودان الآن خارج مدار التغيير المدني، ويبقى الريف والقرى مجرد مواضيع للحديث والتنظير، لا كذوات فاعلة. ولكي يتحقق بناء الثقة لابد من توفر المتطلبات الآتية على سبيل المثال:

دمج وإشراك المجتمعات المحلية والمجموعات المهمشة في أطراف المدن في تحديد الأولويات.

تحرير اللغة والخطاب الحقوقي من الإنحيازات والنزعة النخبوية.

كسر مركزية الخرطوم كمرجعية وحيدة للفعل الوطني.

إن الإنتقال إلى دولة علمانية ديمقراطية لا يضمن تلقائياً نهوض مجتمع مدني فعّال، ولكنه يعتبر شرطاً ضروريا وأساسياً لتأسيس مجتمع مدني حرّ. لإن المجتمع السوداني الحالي مشوه بأمراض ما قبل المدنية لدرجة يصعب معه أن نطلق عليه مسمى المجتمع المدني، لذا فإن الضرورة والمصلحة الوطنية تقتضي أن يُعاد تأسيسه وبناؤه كحركة إجتماعية تعددية جذرية، تفكك السلطوية، وتؤسس لمعنى جديد للمواطنة، في المركز والهامش وداخل المدن والقرى.

وهذا يقودنا إلى طرح السؤال التأسيسي الجوهري، كيف ننتقل من مجتمع مدني يمثّل الناس إلى مجتمع مدني ينبثق من الناس؟

ختاماً؛ يقدّم هذا السفر قراءة تحليلية متعددة المستويات في العلاقة بين مشروع السودان الجديد والمجتمع المدني، متتبعاً الجذور النظرية للمفهوم، وتحولاته في سياقات ما بعد الإستعمار، وتجلياته المشوَّهة والمقاوِمة في السودان، وصولاً إلى آفاق تأسيسه في إطار الدولة العلمانية الديمقراطية المنشودة.

لقد أظهر التحليل أن المجتمع المدني ليس مجرد بنية تنظيمية أو جهازاً تنفيذياً لمشاريع الدولة أو المانحين، بل هو فضاء صراعي ومعرفي، تُعاد فيه صياغة معنى المواطنة، ومفهوم الدولة وطبيعتها، ومشروع العيش المشترك. وهو كذلك ساحة تُختبر فيها الحدود بين القهر والتحرر، بين الهيمنة والمقاومة، وبين الفعل السياسي من أعلى والفعل الإجتماعي من القاعدة.

وفي الحالة السودانية، فإن إعادة تخييل المجتمع المدني تتطلب تفكيكاً مزدوجاً؛ يتمثل في تفكيك المنظومة الإسلاموعروبية التي هيمنت على المجال العام من جهة، وتفكيك البنية النخبوية التابعة للمجتمع المدني التقليدي الذي فشل في تجسير العلاقة مع الشعوب السودانية في الهامش والقاعدة المجتمعية العريضة، إلا عبر أبناء الهامش الذين صدمتهم المدينة مبكراً وإستعلوا على مجتمعاتهم، وزابوا في المدنيات النخبوية.

إن مشروع السودان الجديد، بما يحمله من تصورات حول السودانوية، والمواطنة المتساوية، والعدالة والمحاسبة التاريخية، والفضاء العام التعددي، يفتح إمكانية نادرة لتأسيس مجتمع مدني حر، ليس بوصفه ملحقاً بالدولة أو الطائفة او العرق او الدين او القبيلة، بل بإعتباره الذات الجمعية للسودانيين حين يتحررون من إرث الإستعمار الداخلي، ويعيدون كتابة سرديتهم الجماعية من الأسفل.

النضال مستمر والنصر أكيد

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.