
المجتمع المدني ومشروع السودان الجديد مقاربة سياسية وثقافية ما بعد الكولونيالية (11 – 12)
✍️🏽 متوكل عثمان سلامات
مواصلة للمقال السابق فيما يتعلق بمشروع السودان الجديد وإعادة تخيل المجتمع المدني، سنتناول في هذا المقال، من التبعية إلى الشراكة، والتأسيس الدستوري والقانوني للمجتمع المدني. ودور المجتمع المدني في تحقيق العدالة والمحاسبة التاريخية والدستور الجديد؛ لجان الحقيقة والمصالحة. صناعة الذاكرة وإعادة كتابة التاريخ. وأخيراً الثقافة كمجال للمقاومة والتأسيس المدني؛ من حيث الفنون والأدب والصحافة، كأدوات لتأسيس الفضاء العمومي.
رابعاً: من التبعية إلى الشراكة؛ إعادة تأسيس وبناء العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني
في المنظومة الشمولية، كان المجتمع المدني إما تابعاً للدولة أو عدواً لها أو مجالاً للتوظيف الرمزي والسياسي.
أما في مشروع السودان الجديد، فالمجتمع المدني يُعاد تصوره بإعتباره:
شريك معرفي وسياسي في بناء الدولة.
قوة رقابية مستقلة لا تابعة ولا معادية.
حاضنة للصراع والحوار السلمي والتعددي.
ولكن هذا التصور يتطلب الآتي:
التأسيس الدستوري العلماني الديمقراطي التعددي اللامركزي.
تحرير المجال القانوني من القيود القديمة مثل قانون العمل الطوعي والقوانين ذات الصلة.
سنّ قوانين جديدة تضمن حرية التنظيم والتعبير، والعمل المدني.
تقوية القوى المدنية الجديدة لتكون مؤثرة في مؤسسات الحكم الإنتقالي والتأسيسي.
خامساً: التأسيس الدستوري والقانوني للمجتمع المدني:
لا يمكن بناء مجتمع مدني حر دون نص دستوري علماني صريح يعترف به كفاعل شرعي، ويضمن:
حق التنظيم الطوعي.
حرية التعبير والنشر والتجمع.
إستقلال النقابات.
حماية منظمات الهامش والمجموعات غير الممثلة.
يقترح مشروع السودان الجديد أن يتضمن الدستور:
إعترافاً بالمجتمع المدني.
آليات تشاركية تسمح له بالتأثير على السياسات العامة، من خلال مشاورات وتشريعات تشاركية.
سادساً: العدالة والمحاسبة التاريخية؛ المجتمع المدني بوصفه شاهداً ومؤسساً:
يلعب المجتمع المدني دوراً حاسماً في تحقيق العدالة والمحاسبة التاريخية، عبر:
لجان الحقيقة والحقائق التاريخية، التي توثق الجرائم والإنتهاكات، وتؤسس للسلم المجتمعي من خلال الإعتراف والإعتذار والإنصاف وعدم الإفلات من العقاب.
التحقيق في إنتهاكات الماضي والماضي القريب والمستمرة وتسليم البشير وأعوانه من الإسلاميين المتهمين للمحكمة الجنائية الدولية.
حماية الذاكرة الجمعية من الإخفاء أو التزوير وإعادة كتابة التاريخ السوداني من منظور متعدد الأصوات لا من سردية مركزية أحادية، لما لذلك من تشكيل فعل تأسيسي لبناء مواطنة متصالحة، ومجتمع مدني قادر على تذكر الماضي المظلم كي لا يعيده مرة أخرى.
سابعاً: الثقافة كأداة مقاومة وتأسيس للفضاء العمومي:
بالرغم من الإقصاء والتهميش والإستلاب والإبادة الثقافية التي مارستها الحكومات والنخب السودانية ما بعد خروج المستعمر وحتى اليوم على الثقافات السودانية على حساب الثقافة العربية والإسلامية، إلا أن الحقل الثقافي المتنوع والمتعدد للسودانيين يظل أحد أهم أدوات المقاومة المدنية وإعادة تخييل المجال العام. فالفن والأدب والمسرح والسينما والصحافة، لا يمكن أن نعتبرها وسائل للتعبير فقط وإنما هي أيضاً:
منصات لإنتاج خطاب بديل للهيمنة.
مساحات لتفكيك الصور النمطية عن الذات والآخر.
أدوات للوعي النقدي والتربية المدنية.
من هنا تأتي أهمية دعم حكومة السلام والوحدة لمسارح المقاومة، وأدب المهمشين، والشعر او الغناء الشعبي، والصحافة البديلة، وحركات الفن البصري والشعبي، وتدوين الموروث الشفاهي. هذه القوى يتم دعمها لأنها لا تنتمي إلى السلطة اوالسوق، وإنما إلى الفضاء المدني العمومي، حيث يُعاد إنتاج المجتمع ككائن حر وعاقل.
يمثل مشروع السودان الجديد لحظة تفكيك وإعادة بناء، لا فقط على صعيد الدولة، بل على صعيد المجتمع المدني بوصفه المجال الحيوي لممارسة الحرية والتعددية والمواطنة. ومن خلال السودانوية والعدالة والمحاسبة التاريخية والثقافة المدنية وغيرها، يسعى المشروع إلى إنتاج فضاء عام حر وشامل، يتحول فيه المواطن من رعية إلى فاعل ومن مُقصي إلى شريك أصيل.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.