المجتمع المدني ومشروع السودان الجديد مقاربة سياسية وثقافية ما بعد الكولونيالية (9 – 12)

✍️🏽 متوكل عثمان سلامات

 

 

حركات المقاومة المدنية؛ بين الإحتجاج وإعادة التأسيس:

ثورات أكتوبر 1964م، أبريل 1985م، ديسمبر 2018م:

مثّلت هذه الثورات نقاط إشتعال لفاعلية مدنية كانت كامنة، لكنها تفتقد البنية المؤسسية المستقرة. ففي كل مرة، يُحدث الشارع زلزالاً، لكن تغيب الآليات المؤسسية لترجمة الثورة إلى بناء مدني مستدام. وتتمثل أسباب ذلك في:

القمع السلطوي التاريخي للمجتمع المدني.

إنعدام اوضعف التقاليد الديمقراطية التراكمية.

سيادة الطائفية والبيروقراطية الحزبية.

إنفصال المجتمع المدني عن منظماته التي هي غالباً ما تكون عيون للسلطة وشريكتها.

دور تنظيم كومولو في جبال النوبة:

شكّل تنظيم كومولو نموذجاً نوعياً لمجتمع مدني تحرري من داخل الهامش. فقد عمل كتنظيم مدني سري، على رفع الوعي السياسي والحقوقي لدى سكان جبال النوبة، من خلال:

توثيق المظالم التاريخية بحق المنطقة.

تعرية العنصرية البنيوية في خطاب الدولة المركزية.

بناء حسّ جماعي بالمواطنة والكرامة.

ويمكن قراءة تجربة “كومولو” كأحد التجليات الأندر لمجتمع مدني نابع من السياق المحلي، مقاوم للهيمنة، ومؤسِّس لهوية سودانوية بديلة.

لجان المقاومة؛ أنوية لفضاء مدني بديل:

برزت لجان المقاومة خلال ثورة ديسمبر كأشكال تنظيم أفقي، عفوي، حسب منشوراتهم وتصريحاتهم. وقد حاولت إعادة تعريف المجال المدني عبر:

محاولة خلق شبكات تنسيق شعبية خارج منظومة الأحزاب التقليدية والتي إخترقتها فيما بعد

إدارة الخدمات، الوعي، والتنظيم من القاعدة.

المطالبة بحكومة مدنية لا مركزية.

لكن رغم طاقتها الثورية، تواجه اللجان تحديات بنيوية:

غياب المرجعيات القانونية والهيكلية.

الضغوط القمعية والتشويه الإعلامي.

ضعف التكوين المؤسسي وضعف الاستقلال المالي.

المفارقة المركزية في المشهد السوداني بعد حرب 15 أبريل؛ هو أنه كيف تحوّلت لجان المقاومة بوصفها رمزاً للمدنية والتعدد والرفض الراديكالي للمنظومة العسكرية والدينية إلى جزء من تحالفات عرقية أو دينية أو حتى مسلّحة؟. لفهم هذا التراجع المدني أو التحول الهوياتي، يمكن تحليل الظاهرة من خلال عدة مستويات:

غياب البديل المدني المؤسسي:

في ظل غياب الدولة، وتفكك المجتمع المدني التقليدي، وإنهيار البنية المدنية المشوهة أصلاً (الوجه الخفي للإسلاموعروبية) التي يفترض أن تحتضن لجان المقاومة، وجدت هذه اللجان نفسها أمام فراغ بنيوي كامل. وهذا الفراغ تم ملؤه من قِبَل:

القوات المسلحة التي قدمت نفسها كممثلة للهوية الوطنية العربية والإسلامية.

الجماعات الإسلامية التي تحركت بسرعة لإستعادة الفضاء الأيديولوجي.

في ظل غياب مشروع مدني واضح ومتفق عليه، لم تجد كثير من اللجان سنداً مؤسسياً يحميها من الإنزلاق إلى الإصطفافات القديمة المتمثل في الجيش، الدين، القبيلة، رغم أن معظمهم كانوا ينتمون إلى تنظيمات سياسية رغم الإنكار المستمر.

عودة الرواية الإسلامية العسكرية كخطاب تعبوي:

مع تصاعد خطاب السيادة الوطنية ومحاربة التمرد، أعادت الدولة السودانية والمجموعات الإسلامية المتحالفة معها تدوير سردية دينية وطنية عرقية تقوم على الآتي:

الجيش كرمز للأمة.

دعم كتائب الجهاد والمجاهدين كعودة إلى الحرب المقدسة.

ربط المقاومة وحركات التحررالداعية لإقامة حكومة مدنية بالخيانة أو العمالة.

هذه السردية أثّرت على كثير من قواعد لجان المقاومة، خاصة في المناطق المحافظة ثقافياً، مما جعل أفراداً كثيرين يعيدون الإصطفاف لا وفق وعي مدني، بل وفق المخيال الإسلامي العسكري الموروث.

الوضع الإجتماعي النفسي من المقاومة إلى النجاة:

الحرب أعادت ترتيب أولويات الفاعلين الإجتماعيين في مناطق سيطرة الإسلاميين وجيشهم من:

“الشعب يريد سودان جديد” إلى “نحن نريد البقاء على قيد الحياة”

في هذه اللحظة، يتحول الإنتماء المدني الطوعي إلى إنتماء عرقي ديني دفاعي يتمثل في الدين، اوالقبيلة، اوالسلاح، بحثاً عن الحماية أو النجاة، او قد يكون إسطفافاً حقيقياً وبإرادة المصطف.

لجان المقاومة لم تخرج عن هذا السياق، خاصة في الأحياء التي تحولت إلى ساحات معارك، أو شهدت إنقطاع الإمدادات، أو تعرضت للإبادة، اوسيطر عليها الجيش الإسلامي ومليشياته.

النقد الذاتي للحركة المدنية؛ هشاشة الهوية المدنية نفسها:

يمكن القول إن كثيراً من لجان المقاومة لم تُؤسس على رؤية مدنية راسخة، بل على الرفض الثوري اللحظي. وعندما غابت السلطة المركزية:

إنكشفت هشاشة الوعي المدني داخل اللجان، لتأثرها ببنية المجتمع المدني المختل.

إرتدّ البعض إلى الهويات الأولية المتمثلة في العرق اوالدين اوالجهة، والأرجح أن معظمهم كان مازال في هذه الهويات الأولية.

وجدت اللجان أنها لم تكن موصولة بقواعد إجتماعية حقيقية لذا تحولت إلى مجموعات معزولة أو مسلحة أو مؤدلجة.

وهذا يدعونا إلى مواصلة نقدنا البنيوي للحركة المدنية السودانية نفسها، والسؤال:

هل المجتمع المدني كان ظاهرة نخبوية وقت الثورة، أم تجذر في الواقع الإجتماعي فعلاً؟

تأثير الدولة العميقة والتحالفات غير المعلنة:

لا يمكن تجاهل أن هناك تأثيرات من الدولة العميقة، والتحالفات غير المعلنة والتي تمثلت في الآتي:

إختراقات أمنية وإستخباراتية واسعة حدثت داخل لجان المقاومة.

تشبيك مع تنظيمات إسلامية أرادت إستخدامها كواجهة لتجييش الشارع ضد حركات الكفاح المسلح الرافضة للدفاع عن بنية الدولة القديمة والدعم السريع، تحت لافتة الوطنية والعرق.

وتحالف تكتيكي غير معلن بين مجموعات داخل الجيش وقيادات مقاومة تبحث عن البقاء السياسي.

وهذا يُظهر كيف يمكن أدلجة الفضاء المدني وتحويله إلى أداة تعبئة عسكرية عنصرية. ولكن إنقسام وتراجع لجان المقاومة عن مدنيتها ليس حدثاً مفاجئاً بل نتيجة لتراكم عدة عوامل منها:

هشاشة البنية المؤسسية المدنية.

ضغط الحرب والإصطفاف الطائفي العرقي والديني.

عدم شمول الرؤي السياسية التي تتبناها تلك اللجان، وظلت أسيرة الرؤى النخبوية التي تدعي المعارضة وتعمل للإبقاء على بنية الدولة، بشكل أشبه بالمعارضة التي تصنعها مخابرات الدولة، لتخترق بها القوى الثورية الحقيقة.

إستعادة هيمنة الخطاب الجهادي الإسلاموعروبي.

إختراقات القوى القديمة للفضاء الثوري.

بالتالي، لا يكفي إدانة الظاهرة فقط، بل يجب على قوى التأسيس:

تفكيك هذا التحول المعري لهشاشة بنية المجتمع المدني السوداني.

فهمه في سياقه المعقد والعمل على المعالجة.

العمل على تأسيس او إعادة بناء حركة مدنية سودانوية تنشأ من الجذور الإجتماعية لا من ردات الفعل الثورية فقط.

بنية الفاعلين المدنيين:

يتسم الفضاء المدني السوداني بإنقسامه إلى ثلاث مستويات متمايزة:

منظمات حقوق الإنسان:

نشأت في الغالب بفعل الضغط الدولي.

تعتمد على التمويل الخارجي.

تُتهم بالانفصال عن القواعد الشعبية.

النقابات:

كانت تقليدياً أدوات نضال قوية رغم مركزيتها، لكنها فُككت مراراً.

تسعى الآن إلى إستعادة موقعها كمجال للمقاومة والتنظيم.

منظمات الهامش:

تحاول تجاوز مركزية الخرطوم.

تُعبّر عن قضايا الحرية والعدالة والمساواة والحقوق وقضايا الأرض والمواطنة، والحقوق الثقافية والإجتماعية والإقتصادية.

تُواجه الإقصاء من النخب، والرقابة من الدولة، والتهميش من المجتمع الدولي.

لم يُتح للمجتمع المدني السوداني فرصة النمو الطبيعي في فضاء المجال العام المتنوع والمتعدد، بل نشأ في سياق من القمع، الإحتواء، والتشويه. ومع ذلك، ظل ينتج لحظات مقاومة نوعية داخل الحقل الأحادي القسري، ويفتح ثغرات في الجدار السلطوي. إن مشروع السودان الجديد، بما يحمله من وعد بإعادة تأسيس الدولة وإعادة تعريف طبيعتها وهويتها والمواطنة ونظام عحكمها، سيقود بكل تأكيد إلى نجاح إعادة بناء المجتمع المدني من القاعدة، وبأدوات جديدة؛ سودانوية وجذرية.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.