
المجتمع المدني ومشروع السودان الجديد مقاربة سياسية وثقافية ما بعد الكولونيالية (6 – 12)
✍️🏽 متوكل عثمان سلامات
المجتمع المدني في السودان – بين التكوين والتشويه والمقاومة
هذا الجزء من المقالات مخصص للمجتمع المدني في السودان وهي جزئية معقدة وشائكة، وسنتناول فيها العبودية والرق والمجتمع المدني، مرحلة ما بعد خروج المستعمر؛ الإرث الإستعماري، والإسلاموعروبية كإطار هيمنة ثقافية على الفضاء المدني. وتحليل الدولة السودانية؛ الدولة الشمولية وتفكيك التنظيمات المدنية من النقابات، والأحزاب، والجمعيات، والتجمعات وغيرها وسياسات الإحتواء والتمكين وتفريغ المجتمع المدني من مضمونه. والمجتمع الأهلي مقابل المدني؛ المجتمع الأهلي كإمتداد للولاءات القبلية والطائفية. وغياب المواطن الحديث وظهور الرعية. وحركات المقاومة المدنية؛ ثورات أكتوبر، وأبريل، وديسمبر. ودور تنظيم كومولو كتنظيم مدني سري في رفع وعي المواطن في جبال النوبة بالحقوق المدنية والمظالم والعنصرية التي مارستها الحكومات ما بعد المستعمر على الإقليم وإنسانه، دور لجان المقاومة كأنوية لفضاء مدني بديل. وتحليل بنية الفاعلين المدنيين؛ منظمات حقوق الإنسان، والنقابات، ومنظمات الهامش.
العبودية والرق والمجتمع المدني
عند تناولنا لطبيعة المجتمع المدني في الدولة السودانية، يبرز من الضروري التوقف عند قضية تاريخية شديدة التعقيد، طالما تهربت منها النخب السودانية وتجنبت إدراجها في أجندات الحوارات وورش العمل المتكررة، بل عمدت إلى إقصائها من النقاش العام رغم مركزيتها في تشكيل الهوية وبناء الدولة السودانية. هذه القضية هي العبودية وتجارة الرقيق.
موقع العبودية والرق في التنظيم المجتمعي للحقب التاريخية:
لا يمكن فهم المجتمع المدني في حقب مملكة كرمة، وكوش بحقبتيها النبتية والمروية، فترة الممالك المسيحية والإسلامية، بمعناه المثالي الحديث القائم على الحرية والمساواة للجميع، فقد كان مجتمعاً مدنياً للمُحَرَّرين والمُعْتَقين، أو بالأحرى، للمواطنين الأحرار فقط. كانت العبودية بمثابة النقيض المُؤسِّس لهذا المجتمع، والحد الفاصل الذي يحدد من له الحق في المشاركة في هذه الشبكات المدنية ومن يُستَبعَد منها، ولفهم موقع العبودية والرق في التنظيم المجتمعي لهذه الحقب التاريخية بشكل أفضل يمكن المرور علي كل حقبة، ومن ثم معرفة آثار تلك الحقب المستمرة على السودان المعاصر.
حقبة الممالك القديمة – كرمة وكوش:
كان الإقتصاد يعتمد على العمل الجماعي والتكافل داخل إطار العشيرة أو القبيلة. بينما تُشير الأدلة إلى وجود خدم أو أسرى حرب، إلا أن نظام الرق بمفهومه المؤسسي التجاري لم يكن سائداً كما في فترات لاحقة. كان الإستعباد محدوداً نسبياً وغير مهيكل بشكل كبير.
حقبة الممالك المسيحية والإسلامية:
هنا في هذه الحقبة من تاريخ السودان أصبحت العبودية أداة إقتصادية وإجتماعية وسياسية متكاملة مع المجتمع المدني الحر وذلك على النحو التالي:
إقتصادياً؛ كان الرقيق وخاصة الإناث يمثلون ثروة وعامل إنتاج في المنازل والمزارع الملكية وكهنة الكنيسة أو شيوخ الطرق الصوفية. ولعبوا دوراً في إعفاء النخبة الحرة من العمل الشاق، مما فسح لها المجال للإنخراط في الأنشطة المدنية مثل الفن، والسياسة، والدين، والتجارة. إجتماعياً؛ كان إمتلاك الرقيق مؤشراً على المكانة الإجتماعية للأسرة الحرة داخل تنظيماتها القبلية أو طائفها الحرفي. كان يُنظر إليه كجزء من النظام الطبيعي لإمتلاك الأشياء. سياسياً؛ إستخدمت السلطنات مثل سنارالرقيق كجنود في الجيوش، مما خلق قوة عسكرية منفصلة عن القبائل المتنافسة وموالية فقط للسلطان، مما أضعف التحالفات القبلية التقليدية كشكل من أشكال التنظيم المدني.
بإختصار، كانت العبودية الطرف المظلم والمُستَبعَد من المجتمع المدني التقليدي. لقد مَولت إزدهار النخبة الحرة تاريخياً، وسمحت لها ببناء شبكاتها التضامنية (الطرق الصوفية، الطوائف) على حساب إستعباد فئة أخرى من البشر.
حين يُطرح موضوع العبودية في السودان ما بعد الإستعمار، يذهب التصور العام مباشرةً إلى أنها مرتبطة بمجموعات إثنية أو جهوية بعينها ذات سحنة محددة. لكن الحقائق التاريخية تثبت بوضوح أن المستعمر حين دخل السودان كان هدفه جمع الذهب والرجال (العبيد)، دون إستثناء لمجتمع أو مجموعة قبلية، إلا من نجت بفعل المقاومة. وهنا يبرز سؤال جوهري، من أين نشأ هذا التناقض مع الواقع؟ وكيف أصبح هناك سودانيون في الوسط والشمال النيلي يُصوَّرون كأسياد لم يمسهم الرق قط، رغم أنهم كانوا أول من إصطدم بالغزو الإستعماري؟ ولماذا جرى هذا التزوير المتعمد للتاريخ وتحويله إلى بناء أيديولوجي يخدم مصالح بعينها؟
يلاحظ الكثيرون أن هناك رواية رسمية وهي الروية المهيمنة والتي تروج لها النخب التي حكمت السودان بعد خروج المستعمر الخارجي وسخرت لتأكيد صحة روايتها كل الأدوات والآليات المعرفية من خلال دعاة الفكر والمعرفة الذين تم إنتاجهم داخل هذا الحقل المعرفي والفكري المعاق، حيث تزعم الرواية بأن الشعب السوداني في الوسط والشمال النيلي هو شعب حر وعربي ومسلم وكان دائماً على هذا الحال، وتتجاهل عمداً فترات إستعباده وإضطهاده وإسترقاقه حتى جنسياً من قبل المستعمر الخارجي، ويسعى بإستمرار لتهمش دور السودانيين الآخرين أو تصويرهم كمجرد عبيد سابقين، وقد كرست هذه المكونات ونخبها كل إمكانياتها المعرفية لتزوير هذا التاريخ وإخفائه حتى على أبنائهم.
بينما تتبنى المناطق المهمشة في السودان ما بعد خروج المستعمر رواية مضادة، تؤكد على تاريخ المقاومة والنضال ضد غزوات الرقيق، وتُبرز وتعترف بتعرضها للإستغلال والإستعباد من قبل المستعمر الخارجي وبمساعدة أبناء الشمال والوسط النيلي بعد خضوعهم وكسر شوكتهم وتحولهم إلى عبيد منازل ومرشدين وسماسرة رقيق، وتستخدم هذا التاريخ لتبرير مطالبها الحالية بالعدالة والمساواة والحرية، وتأسيس وطن ما بعد إستعماري يقوم على التنوع التاريخي والتنوع المعاصر وهي رواية تاريخية صادقة ومتصالحة مع الذات.
إن معالجة تلك الأسئلة وتفكيك أسباب صراع الروايات هذه يمثل مدخلاً ضرورياً لفهم طبيعة المجتمع المدني السوداني وإشكالاته، ولتوضيح خلفية تاريخية مهمة أمام الأجيال الجديدة الساعية بصدق إلى تأسيس مجتمع مدني سودانوي حقيقي، ينأى بنفسه عن الميراث المثقل بصراعات الأجداد والآباء التي لم يكونوا جزءاً من صنعها.
إن الحملة التركية – المصرية التي أطلق عليها المؤرخين السودانيين والمصريين مسمى التركية السابقة بقيادة محمد علي باشا جاءت بأهداف إقتصادية صريحة تمثلت في الحصول على الذهب والعبيد، وقد قامت الحملة بعمليات نهب وإسترقاق شملت كل المناطق التي غزتها دون تمييز، وبموجب تلك الحملة تم إسترقاق السودانيين والسودانيات في شمال السودان من النوبيين إلى الجعليين والشايقية في الوسط بكميات هائلة. ولكن حدث التمايز لاحقاً، بناءً على عاملين أساسيين:
الإستراتيجية العسكرية والسياسية: بعد إخضاع الشمال كلياً والسيطرة على موارده، حول المستعمر حملاته العسكرية بشكل ممنهج ومكثف إلى جنوب السودان ومناطق جبال النوبة وكردفان والفونج والتي كانت صعبة المنال لشراسة المقاومة، لأنها أصبحت الحدود الجديدة للموارد البشرية – العبيد. أصبحت هذه المناطق مناطق صيد مخصصة ومعروفة.
التحول في البنية الإجتماعية: في الشمال، ومع إنشاء الدولة الإدارية، تحول العديد من أبناء الشمال (الذين كانوا ضحايا سابقين) ليصبحوا وسطاء في نظام تجارة الرقيق. أصبحوا الجلابة بالمفهوم التاريخي للمسمى أي تجار الرقيق وقادة الحملات ضد بني (جلدتهم) من بقية السودانيين، وكما أصبحوا الجنود في الجيش النظامي، والموظفين في الإدارة. لقد إنتقلوا من موقع المستَعبَد إلى موقع المُستَعبِد أو المساعد له.
قد يشكل العامل الأساسي الثاني مفتاحنا لفهم ومعرفة وتفسيرالأسباب الكامنة خلف هذا التعارض والتناقض وهروب النخب وبعض منظمات المجتمع المدني المستمر من تناول القضية. فشيوع الإدعاء بأن مجموعات الشمال المستعربة لم تتعرض للعبودية هو إنكار وتزوير للتاريخ والسعي لبناء هوية على أسس إنتقائية، ويعود ذلك الإدعاء للأسباب الآتية:
أولاً: النسيان المتعمد وتزوير التاريخ:
بعد سقوط الدولة المهدية وإستعادة الحكم الإنجليزي – المصري سنة 1898م، عمل الإستعمار البريطاني على تأسيس هوية شمالية مميزة قائمة على الإسلام والعروبة الثقافية، وأعتبر الجنوب والمناطق المهمشة مناطق منفصلة.
النخب الشمالية التي تشكلت في ظل الإستعمار البريطاني وإستلمت الحكم بعد خروج المستعمر سنة 1956م تبنت هذه الرؤية، فقد كان من مصلحتها قطع صلتها بمرحلة العبودية وبناء سردية جديدة تفيد بأنهم كانوا دائماً أحراراً ومتحضرين، مقابل تصوير الآخرين على أنهم متخلفون وكانوا تاريخياً عبيداً هذه السردية للأسف خدمت مشروعهم السياسي العنصري المركزي. هذا السبب بالتحديد قد يطرح مزيد من الأسئلة لدى بعض السودانيين والمتعلقة بمواقف الحكومة البريطانية تجاه المعالجة الجذرية للمشكلة السودانية، وما علاقة الماضي بالحاضر؟.
ثانياً: العار الإجتماعي والوصمة (Stigma):
الإرتباط بالعبودية في الذهنية الإجتماعية يحمل وصمة عار هائلة. لذلك، سعت المجموعات التي تمكنت من تحقيق مكانة إجتماعية وسياسية وعلمية إلى إخفاء أي أصول قد تكون مرتبطة بالإستعباد او اللون داخل تاريخها العائلي، لذلك تجد التبرير لبعض الأسر السودانية اللا إنسانية من هذه المجتمعات والمجموعات والتي لا تخرج في العلن مع آبائها او أمهاتها، او حبس جداتهم او أجدادهم في غرف داخل منازلهم ومنعهم حتى من الظهور لضيوفهم حتى وفاتهم، هناك حالات تم رصدها عن طريق الصدفة في مختلف مدنهم، والأحياء التي كانت راقية بالعاصمة المثلثة. أصبح الإنكار آلية دفاعية إجتماعية للهروب من الوصم والتمييز.
ثالثاً: تحول الضحية إلى جلاد:
كما ذكرنا، تحول أبناء المركز (الشمال) من ضحايا محتملين إلى وسطاء في النظام الإستعماري، كما أن الجلابة الذين كانوا ينظمون غارات الرقيق جاءوا من قبائل الشمال نفسها. هذه الحقيقة المربكة والناصعة تدفع الأحفاد إلى تبرئة أسلافهم وإعادة صياغة التاريخ لتظهرهم كمجموعة سيادية نقية، بدلاً من الإعتراف بأنهم كانوا في وقت ما ضحايا، وفي وقت لاحق، شركاء في نظام الإستعباد.
رابعاً: إستخدام العبودية كأداة سياسية:
تم توظيف خطاب العبودية تاريخياً كأداة لتهميش الخصوم السياسيين والجماعات المناوئة. من خلال وصف مجموعة معينة بأنها من أصل عبد، وبالتالي يمكن حرمانها من حقوقها القانونية والسياسية والإجتماعية ونزع حقها في المساواة أو القيادة. هذا الإستخدام السياسي عزز من ثقافة الإنكار لدى المجموعات التي تخشى أن يتم توجيه هذه التهمة لها، لذلك تجد إنتشار عملية التشبه بالسيد الزائف من خلال إعتناق دينه ولغته والهروب من اللغات والثقافات السودانية طوعاً اوقسراً، وإنتشار ظاهرة تغيير اللون (البرط)، حتى تتواءم مع معايير الجمال الزائفة والمختلقة.
خامساً: مقاومة المناطق المهمشة كعلامة فخر ونقاء:
على العكس من ذلك، تبنت المجموعات التي قاومت في الجنوب، وجبال النوبة، والفونج، ودارفور، والشرق رواية المقاومة والنقاء كجزء أساسي من هويتها. لقد حولوا معاناتهم التاريخية إلى رأسمال رمزي يدعم مطالبهم بالمساواة والإعتراف. ويؤكدون بإستمرار (نحن لم نستسلم، لذلك نحن أحرار أصليون، ولم نُستَعبد أبداً بالكامل)، هذا الحديث رغم صحته إلا أنه يبسّط التاريخ أيضاً، حيث أن بعض أفراد هذه المجموعات قد تم إستعبادها رغم المقاومة الشرسة.
إذن، الحقيقة التاريخية الأكثر وضوحاً هي أن الجميع تقريباً كان ضحية في مرحلة ما، وأن بعض الضحايا السابقين تحولوا لاحقاً إلى مضطهدين. الإعتراف بهذه الحقيقة المرة هو الخطوة الأولى لفهم جذور الأزمة السودانية الحالية، والتي هي في جزء كبير منها أزمة هوية وذاكرة تاريخية مجتزأة ومشوهة.
التناقض الذي نراه يكمن في تزوير التاريخ من خلال الطريقة التي تم بها إختطاف هذا التاريخ وتوظيفه لخدمة مصالح فئوية وسياسية وإجتماعية وثقافية، مما خلق هوية منفصلة عن واقع التنوع والتعدد وقائمة على أُسس تاريخية ومعرفية مزيفة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.