
المجتمع المدني ومشروع السودان الجديد مقاربة سياسية وثقافية ما بعد الكولونيالية (3 – 12)
✍️🏽 متوكل عثمان سلامات
سنواصل في الجذور النظرية والبنيوية لمفهوم المجتمع المدني، من خلال التحليل البنيوي لعلاقة المجتمع المدني وتفاعله مع الإقتصاد السياسي والدولة والثقافة، وعلاقته بمفهوم الفضاء العام الذي أشرنا إليه في أطروحة او رؤية هابرماس،ومن ثم النقد الذي وجه لمفهوم المجتمع المدني من منظور المركزية الأوروبية وما بعد الحداثة والإستعمار، وبعد ذلك نسلط بعض الإضاءة على المجتمع المدني في الفكر السياسي السوداني، وعلاقته بمشروع السودان الجديد.
ثالثاً: التحليل البنيوي للعلاقات:
تفاعل المجتمع المدني مع الإقتصاد السياسي والدولة والثقافة:
إن فهم المجتمع المدني لا يكتمل عند حد تعريفه كفضاء مستقل عن الدولة أو السوق، بل يتطلب تحليلًا بنيويًا لعلاقاته مع المنظومات الكبرى التي تحدد شروط وجوده وتكوّنه: الإقتصاد السياسي، الدولة، والثقافة. ففي التحليل البنيوي، لا يُنظر إلى المجتمع المدني كمجرد فاعل مستقل، بل كحقل تُنتج داخله علاقات القوة، وتتشكل فيه الذوات الاجتماعية عبر شروط مادية ورمزية.
في علاقته مع الإقتصاد السياسي، يتفاعل المجتمع المدني مع بنى الإنتاج والتوزيع والإستهلاك التي تهيمن على المجتمع. فإذا كانت هذه البنى قائمة على التفاوت والاحتكار واللامساواة، فإن المجتمع المدني لا يستطيع أن يؤدي دوره في تحقيق العدالة والمساءلة، بل يتحول إلى أداة في يد القوى المسيطرة لإعادة إنتاج هيمنتها. في المجتمعات النيوليبرالية، على سبيل المثال، يتم تسليع المجتمع المدني نفسه من خلال التمويل المشروط، وخلق مجتمع مدني “وظيفي” يتماهى مع خطابات التنمية المانحة بدلًا من التعبير عن المطالب الشعبية.
أما في علاقته مع الدولة، فإن المجتمع المدني ليس فقط مجالاً للفصل عن السلطة السياسية، بل هو أيضاً ميدان للصراع حول شرعية الدولة ومحتوى المواطنة. في الدول التسلطية، تكون العلاقة بين الطرفين علاقة قمعية أو إحتوائية؛ تقمع الدولة المنظمات المستقلة، أو تنشئ منظمات صورية توظفها لخدمة مشروعها السلطوي. بينما في الدول الديمقراطية، قد تمارس منظمات المجتمع المدني أدواراً رقابية، تشريعية غير رسمية، وتساهم في خلق سياسات عمومية أكثر عدالة وشمولاً.
أما البعد الثقافي، فيشكّل المجال الأعمق لتفاعل المجتمع المدني. فالثقافة؛ بما تحمله من رموز وهوية وخطابات ومعايير او محددات هي المجال الذي يُعاد فيه إنتاج “المعنى”، وتُصاغ فيه الحدود الرمزية للإنتماء والغيرية. وهنا يتجلى المجتمع المدني كـحقل رمزي للصراع الهوياتي، حيث تتواجه تصورات متباينة حول الجماعة، الوطن، الدين، النوع، والمواطنة. لذلك فإن تسييس الثقافة هو جزء لا يتجزأ من إعادة تعريف المجتمع المدني، خصوصاً في المجتمعات التعددية مثل السودان، حيث تُستخدم الثقافة إما لتكريس الهيمنة، أو لتفكيكها.
مفهوم الفضاء العام كحقل للصراع:
يشكّل مفهوم الفضاء العام (public sphere) أحد المفاتيح النظرية الأهم في التحليل البنيوي للمجتمع المدني، خصوصًا كما طوّره يورغن هابرماس. فقد أعتبر الفضاء العام مجالاً وسطاً بين الدولة والمجتمع، يُتيح للناس التعبير عن آرائهم ومناقشة القضايا العامة بصورة عقلانية، بما يؤدي إلى تشكيل “رأي عام” ضاغط على صُنّاع القرار. غير أن هذه الصياغة رغم طابعها المثالي، تخفي البُعد الصراعي للمجال العمومي، وتُهمل علاقات القوة التي تشتغل داخله.
إن الفضاء العام ليس حقلاً محايداً بل هو حقل يُعاد فيه توزيع الرموز والمعاني، وتُنتج فيه الهيمنة أو تُقاوَم. فهو يتأثر بموازين القوى الطبقية، والجندرية، والإثنية، والثقافية. ففي مجتمعات ما بعد الإستعمار، كثيراً ما يتم إحتكار الفضاء العام من قبل نخبة تمثّل الهُوية المهيمنة (دينًا، ولغة، وعرقًا)، بينما تُقصى الهويات الأخرى إلى الهوامش أو تُصوَّر كتهديد للوحدة الوطنية.
ولذلك، فإن تحرير الفضاء العام لا يعني فقط ضمان حرية التعبير، بل يعني أيضاً تفكيك التراتبيات الرمزية التي تعيق وصول أصوات المهمشين إلى مركز النقاش العام. وهذا يتطلب تحويل المجتمع المدني من كونه مجالاً للنخبة إلى مجالٍ للصراع التحرري حول تعريفات الحق، والمصلحة، والعدالة.
رابعاً: نقد المفهوم من منظور المركزية الأوروبية وما بعد الحداثة والإستعمار:
1/ نقد النزعة الأوروبية المركزية في بناء المفهوم:
رغم الانتشار العالمي لمفهوم المجتمع المدني، إلا أن جذوره النظرية والمفاهيمية تظل مرتبطة بالحداثة الأوروبية، مما يطرح إشكالية المركزية الأوروبية (Eurocentrism) في التفكير الإجتماعي والسياسي. فالمفهوم يفترض وجود فرد حرّ، مستقل، متعاقد، ومجتمع مفصول عن الدولة والإقتصاد والدين، وهو ما لا ينطبق على السياقات غير الغربية، حيث الأنساق الإجتماعية تختلف جذرياً من حيث البنية والمرجعية.
في المجتمعات الإفريقية مثل السودان، تغيب الشروط التاريخية التي أدت إلى نشوء المجتمع المدني في أوروبا؛ حيث لم تحدث ثورة برجوازية، ولم تتطور السوق الحرة بشكل مستقل، ولم تتأسس الدولة الحديثة على تعاقد إجتماعي فعلي. بل غالباً ما تم فرض الدولة والمجتمع المدني معاً من الخارج، عبر الإستعمار أولاً، ثم عبر المانحين والمنظمات الدولية في حقبة ما بعد الإستعمار. وهو ما جعل من “المجتمع المدني” كما يُفهم غربياً مفهوماً معوّقاً ومغترباً عن السياق المحلي.
2/ نقد المفهوم من منطلقات ما بعد الحداثة وما بعد الإستعمار:
من داخل تيارات ما بعد الحداثة وما بعد الإستعمار، ظهر نقد أكثر جذرية لمفهوم المجتمع المدني، من حيث بنيته المعرفية نفسها.
أولاً: يُتهم المفهوم بأنه يتجاهل التعدد والإختلاف، ويفترض نموذجاً مهيمناً للحداثة يطمس التجارب الأخرى، ويستبطن تصوراً معيارياً للفردانية والعقلانية.
ثانياً: يُعتبر أنه يُعيد إنتاج علاقات القوة الرمزية، من خلال إقصاء الأصوات غير المتوافقة مع النمط الليبرالي للتمثيل والمواطنة.
ثالثاً: أنه ينزع الطابع السياسي عن الصراع، من خلال إختزال المجتمع المدني في الجمعيات والمنظمات، بدل إعتباره حقلاً مفتوحاً للمقاومة الرمزية والرمزية المضادة.
رابعاً: لماذا يقف الإطار النظري لمفهوم المجتمع المدني عند منظري العقد الإجتماعي فقط ولا يتجاوزهم لما قبلهم؟ ألم تكن هناك مجتمعات وحضارات قبلهم؟ بمعنى هل يمكنا أن نذهب في تأطيرنا لمفهوم المجتمع المدني إلى أبعد من ذلك السقف المعرفي وتوضيح طبيعة المجتمع المدني في فترة ما قبل الميلاد وبدايته؟.
وفي السياق الإفريقي، دعا مفكرون مثل محمود ممداني وأشيل مبمبي إلى ضرورة تفكيك المفاهيم الغربية لا من أجل رفضها، بل لإعادة تأصيلها محلياً بما يعكس خصوصيات التكوين التاريخي والثقافي للمجتمعات، ومراكمة تجاربها في المقاومة والتعايش والتضامن.
خامساً: المجتمع المدني في الفكر السياسي السوداني:
ظل مفهوم المجتمع المدني في السودان رهيناً لإرث إستعماري وما بعد إستعماري، حيث عمل الإستعمار على تكوين مؤسسات تقليدية ونقابية مرتبطة بمصالحه. وبعد خروج المستعمر، تحولت تلك المؤسسات إلى فضاء للصراع السياسي بين الأحزاب والطوائف، ما أدى إلى تسييس المجتمع المدني وتقييده أمنياً بصورة أفقدته إستقلاليته. في المقابل، برزت أشكال من المقاومة المدنية في النقابات المهنية والحركات الطلابية ومنظمات الهامش، التي جسّدت إمكانات بديلة لمفهوم المجتمع المدني خارج الأطر التقليدية.
سادساً: مشروع السودان الجديد – الفكرة والسياق:
مشروع السودان الجديد، كما طوّره د. جون قرنق دي مبيور والحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال، يقوم على مبادئ إعادة تأسيس الدولة السودانية على أسس جديدة؛ الحرية والعدالة والمساواة، كما يقوم على التنوع التاريخي والتنوع المعاصر (الإثني والثقافي والديني)، وإنهاء التهميش، وتأسيس دولة علمانية ديمقراطي تعددية لامركزية، تقوم على المواطنة بلا تمييز. هذا المشروع ليس مجرد برنامج سياسي، بل هو رؤية فلسفية لمستقبل السودان، تستند إلى نقد بنيوي وثقافي للمركزية التاريخية للدولة السودانية وإلى تفكيك خطاب الهوية الإسلاموعروبي الذي ساد منذ خروج المستعمر.
سابعاً: العلاقة بين المجتمع المدني ومشروع السودان الجديد:
يمكن النظر إلى العلاقة بين المجتمع المدني ومشروع السودان الجديد من ثلاث زوايا:
زاوية التحرر؛ إذ يشكّل المجتمع المدني حاضنة لنضالات المجموعات المهمشة، ويُعيد إنتاج الخطاب التحرري في مواجهة هيمنة المركز.
زاوية إعادة البناء؛ حيث يساهم المجتمع المدني في إعادة بناء المجال العام على أساس المشاركة والتنوع، بعيداً عن الاحتكار السياسي والديني.
زاوية الرقابة والمساءلة؛ فالمجتمع المدني هو الضامن الأساسي لتحويل مبادئ السودان الجديد إلى واقع مؤسسي، عبر دوره الرقابي على الدولة والأحزاب. وسنأتي لتلك العلاقة بشكل أوسع لاحقاً.
يتضح من هذا التحليل أن مفهوم المجتمع المدني لا يمكن تناوله بوصفه معطى جاهزاً أو مفهوماً عالمياً صالحاً لكل السياقات، بل هو نتيجة لتاريخ معين، وله بنية رمزية وإقتصادية مشروطة. وفي السودان، كما في أغلب دول النامية، فإن بناء مجتمع مدني فاعل يتطلب إعادة التفكير الجذري في المفهوم نفسه، وفي شروط تفعيله الواقعي داخل مجتمع مفكك ثقافياً وتاريخياً، ومسكون بإرث الدولة الإستعمارية والدولة الشمولية معاً.
وهنا يبرز مشروع السودان الجديد كمحاولة لإعادة إنتاج هذا المفهوم داخل خطاب تحرري ثقافي، يتجاوز ثنائية الدولة والمجتمع، نحو ثلاثية جديدة؛ الهوية، العدالة، والمواطنة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.