
أطفال مناطق العمليات الحربية في السودان … ضحايا القهر المنسيون
✍️🏽 متوكل عثمان سلامات
تناقلت وسائل الإعلام والمنصات الإخبارية مؤخراً نبأ إعتقال السلطات الأمنية والمخابراتية السودانية للطفلة والتلميذة إمتثال سامي، بمدينة كادقلي عاصمة ولاية جنوب كردفان/جبال النوبة، بتاريخ 17 يوليو 2025م، على خلفية قيامها بتوثيق مشهد صفوف المواطنين المتراصين للحصول على “الخبز/ رغيف”. حادثة كهذه، رغم بساطتها في الظاهر، تشكل إمتداداً لسلسلة طويلة من الإنتهاكات الجسيمة التي مارستها الدولة السودانية، تاريخياً وحديثاً، بحق الأطفال في مناطق النزاع المسلح، خصوصاً في الهامش السوداني.
لقد أولى المجتمع الدولي أهمية قصوى لحماية حقوق الطفل، منذ إعلان جنيف لعام 1924، مروراً بإعلان حقوق الطفل عام 1959، ووصولاً إلى إتفاقية حقوق الطفل لسنة 1989م، وما تبعها من بروتوكولات واتفاقيات ملحقة، مثل الإعلان بشأن حماية النساء والأطفال أثناء الطوارئ والنزاعات المسلحة، والبروتوكول الاختياري المتعلق بإشراك الأطفال في النزاعات المسلحة، وغيرها من الأدوات القانونية التي شكلت إطاراً ملزماً لحماية الطفل وحقوقه الأساسية في الحياة والكرامة والتعليم والصحة والغذاء والمأوى والأمن.
تنص المادة الأولى من إتفاقية حقوق الطفل على أن “الطفل هو كل إنسان لم يتجاوز الثامنة عشرة، ما لم يبلغ سن الرشد قبل ذلك بموجب القانون المنطبق عليه”، ما يمنح الاتفاقية قدراً من المرونة القانونية لمراعاة السياقات المختلفة. ومع ذلك، فإن أطفال مناطق النزاع في السودان – وهم بالملايين – لم تشملهم الحماية المقررة في هذه الإتفاقيات، وظلوا خارج إحصاءات وإهتمامات المؤسسات الرسمية والدولية.
طفل مناطق الحروب في السودان … الوجه القاسي للكارثة المستمرة:
عقب إندلاع الحرب في 15 أبريل 2023م بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، تفاقمت معاناة الأطفال في السودان إلى مستويات كارثية، حيث بات ملايين منهم في حالة نزوح دائم، بلا تعليم، وبلا رعاية صحية، وبلا أمن غذائي بفعل المعوقات التي تضعها سلطات بورتسودان. وفي تصريح خطير لرئيسة منظمة اليونيسف في السودان، السيدة/ مانديب أوبراين، حذّرت من أنّ إستمرار الحرب سيؤدي إلى “كارثة جيل كامل”، مؤكدة أن (24) مليون طفل سوداني في خطر، فيما تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن (3.4) مليون طفل دون سن الخامسة معرضون للإصابة بالأمراض الوبائية.
لكن هذه الأزمة ليست بنت الحرب الأخيرة فقط، بل تعكس إستمرارية لنهج الدولة السودانية تجاه أطفال المناطق المهمشة منذ إندلاع الحرب في سنة 1983م. الأطفال في جبال النوبة، والنيل الأزرق، ودارفور، كانوا وما زالوا وقوداً لحروب لم يصنعوها، وضحايا لتجاهل رسمي وإقليمي ودولي متواصل.
في الوقت الذي رفضت فيه السلطة غير الشرعية في بورتسودان إعلان حالة المجاعة، أعلن السكرتير الأول للسلطة المدنية للسودان الجديد، الرفيق/ أرنو نقوتلو لودي بتاريخ 13 أغسطس 2024م، حالة المجاعة رسمياً في إقليمي جنوب كردفان/ جبال النوبة والفونج الجديدة، مؤكداً في تعميم صحفي بتاريخ 26 سبتمبر 2024م أن أكثر من ثلاثة ملايين مواطن، من ضمنهم (768,306) نازح، يواجهون خطر الموت نتيجة إنعدام الإمدادات الأساسية. كما أشار إلى أن عدد الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد في إقليم جنوب كردفان/ جبال النوبة بلغ (52,479) حالة، ووفاة (416) شخصاً بسبب الجوع في فترة وجيزة.
وفي السياق ذاته، أورد الحاج عوض أحمد، المدير العام للصحة بإقليم الفونج الجديدة، أن الإقليم يشهد تفشياً لأمراض الملاريا وفقر الدم والإجهاض وسط النساء، مع تسجيل أكثر من خمس حالات سوء تغذية يومياً، غالبيتهم من الأطفال، وإرتفاع عدد الوفيات بين الأطفال دون سن الخامسة إلى ثماني حالات يومياً.
إبادة ممنهجة وتغييب عدالة:
لا تقتصر الإنتهاكات على التقصير في الحماية، بل تتعداها إلى إستهداف مباشر للأطفال في مناطق الحروب، سواء في أوطانهم الأصلية أو في مخيمات النزوح داخل المدن السودانية. ففي حادثة مفجعة، أقدمت القوات النظامية ومليشياتها على إحراق طفلين في ولاية الجزيرة، على خلفية عرقهما وإثنيتهما، وهو ما يؤكد البعد العنصري والإقصائي العميق الذي يحكم نظرة المركز إلى أبناء الهامش.
أطفال مناطق الحرب في السودان محرومون من حقهم في الرعاية، لا لذنب إرتكبوه، بل لأنهم ينتمون إلى مجتمعات ترى فيها الدولة تهديداً وجودياً لهويتها الثقافية والدينية والإثنية. هم ضحايا الاستبداد المزدوج المتمثل في قهر الدولة المركزي، وصمت المجتمع الدولي ومؤسساته، بما فيها المحكمة الإفريقية لحقوق الطفل، التي وعدت منذ 2018م بإرسال لجنة تقصي حقائق إلى جبال النوبة ولم تفِ بذلك الوعد حتى اللحظة.
الجوهر السياسي للصراع وحقوق الأطفال:
إن الأزمة الإنسانية التي يعيشها أطفال السودان، خصوصاً في مناطق الحرب، ليست محض مآسي عارضة أو إنتهاكات فردية، بل هي نتاج لصراع بنيوي وجذري، يرتبط بطبيعة الدولة السودانية منذ خروج المستعمر، التي تشكّلت على أسس مركزية إسلاموعروبية، أقصت الأغلبية الإفريقية في الهامش ثقافياً واقتصادياً وسياسياً. أطفال مناطق الحرب هم “الآخر” الذي ظل النظام المركزي يخشاه ويعمل على تهميشه وإبادته، بدءاً بالإبادة الثقافية، وانتهاءً بالإبادة الحسية.
ولعلّ إستمرار مطالبة المحكمة الجنائية الدولية برموز النظام السابق، الهاربين من العدالة، دليل حي على أن جرائم الحرب وإنتهاكات حقوق الإنسان بحق الأطفال والمواطنين في السودان، لم تكن عشوائية بل منهجية ومدروسة.
نحو حل سياسي شامل يضع الأطفال أولاً:
إن التعامل مع أوضاع الأطفال في مناطق العمليات الحربية لا يمكن أن يختزل في إدخال بعض المساعدات الطارئة أو إقامة مخيمات تغذية مؤقتة، بل يتطلب الاعتراف بأن الحل الجذري يكمن في التحول السياسي العادل. وعلى المؤسسات الإقليمية والدولية أن تدرك أن المسألة سياسية بامتياز، وأن الإنصاف الحقيقي لن يتحقق إلا من خلال معالجة جذور الأزمة، وإنهاء التمييز والإقصاء، وبناء دولة ديمقراطية علمانية لا مركزية، تحترم التنوع وتضمن الحقوق لجميع أطفال السودان بلا استثناء.
إننا أمام لحظة تاريخية تقتضي الإنحياز للضحايا، والضغط نحو تأسيس جديد وحقيقي لدولة سودانية علمانية ديمقراطية حديثة عادلة، تحترم حقوق الإنسان، وفي مقدمتها حقوق الطفل، فالأطفال ليسوا فقط ضحايا للصراع، بل هم عنوان مستقبل ذلك الصراع.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.