⭕️ كامل إدريس في القاهرة: حين يعود “عثمان البواب” إلى الديوان:

✍️🏽 خالد كودي، جوبا، 8/9/2025

 

عن النمطية كأداة للهيمنة وإعادة إنتاج التبعية:

لا يمكن مقاربة زيارة رئيس الوزراء المعيَّن من سلطة بورتسودان، كامل إدريس، إلى القاهرة، من دون العودة إلى الجذور التاريخية للعلاقة غير المتكافئة بين مصر والسودان، وإلى الصورة النمطية التي رسّختها الثقافة المصرية عن السوداني خلال القرن العشرين. هذه الصورة، التي تجسدت في شخصية “عثمان البواب” في المسرح والسينما، قدّمت السوداني بملابس بسيطة، ولهجة مميزة، وابتسامة عريضة لا تفارق وجهه، وأداء يجمع بين الوداعة المبالغ فيها والولاء المطلق للسيد المصري.

لم تكن هذه الشخصية مجرد خيار فني أو مادة كوميدية عابرة، بل أداة رمزية عميقة لتثبيت موقع السوداني كـ”حارس للباب” و”خادم للدار”، لا كشريك في القرار. على غرار شخصية

“Sambo”

في التاريخ الأميركي، التي مثّلت الخادم المبتسم ابتسامة واسعة تكاد تقول “تحت أمرك يا بيه” الراضي بمصيره، أو

“Uncle Tom”

الذي يجسد العبد التقي المطيع حتى لو كان ذلك على حساب مصالح قومه، أدّت شخصية “عثمان البواب” وظيفة ثقافية–سياسية لإعادة إنتاج علاقة السيد–التابع وإضفاء طابع طبيعي على تبعية السودان.

هذا النمط البصري والدرامي امتداد لبنية استعمارية أعمق تشكلت منذ الحكم التركي–المصري مرورًا بالحكم الثنائي، حيث جرى التعامل مع السوداني كجزء من جهاز خدمة المركز، لا كفاعل سياسي مستقل. وبذلك، تحولت هذه الصورة إلى عنصر مكوّن في المخيلة المصرية، يطبع التراتبية السياسية والاجتماعية بين البلدين، ويعيد إنتاجها في الوعي العام، حتى صارت الهيمنة التاريخية تُرى وكأنها وضع طبيعي أو “أخوي” لا يستدعي المساءلة.

كامل إدريس: البواب المبتدئ في بلاط القاهرة:

زيارة كامل إدريس إلى القاهرة كانت إعادة عرض حيّ لهذه المسرحية القديمة، لكن بديكور دبلوماسي جديد. منذ اللحظة الأولى، بدت هيئته مرتبكة، باهتة، هشة، كما لو كان بوابًا مبتدئًا على أعتاب أروقة الدواوين، يسعى بكل جهده لينال رضا مخدميه الجدد. لم يظهر كرئيس وزراء لدولة ذات سيادة تواجه حربًا طاحنة وانهيارًا شاملًا، بل كمبعوث صغير، ضئيل الحضور، مكلف بمهمة أساسية: طمأنة القاهرة بأن السودان سيظل تحت العباءة، تحت السيطرة، وخادمًا مطيعًا للمصالح المصرية لا اكثر.

لغة جسده كانت فاضحة في دلالتها: كتفان مائلان إلى الأمام، حركة يدين مترددة، ميل الرأس في إيماءة استماع أشبه بالانكسار، وابتسامة ثابتة تُظهر التماس الرضا أكثر مما تُظهر الثقة أو الحزم. إنها الإيماءات التي يعرفها أي دارس لعلم الاتصال غير اللفظي بوصفها إشارات دونية، تفيض بالخضوع، وتعيد استحضار قالب

السياسي، حيث يغيب التمثيل السيادي لصالح تمثيل دور الخادم المؤدب. “Sambo”

خطاب ادريس إلى القاهرة لا إلى السودان:

كان محتوى خطابه نسخة لفظية من هذه الإيماءات- لم يوجه كلماته إلى المتماهين معه من شعب السودان الذي ينتظر قيادة واعية تضع خطة لمواجهة الحرب والمجاعة وانهيار الدولة، بل وجّهها إلى وزارة الخارجية المصرية، وكأنه موظف مبتدئ يسأل عن “خارطة طريق” من المكتب الأعلى!

لم يذكر الحرب، ولا الثورة، ولا الشهداء، ولا ملايين النازحين واللاجئين، ولا المجاعة التي تهدد حياة الملايين، ولا انهيار مؤسسات الدولة، ولا حتى اسم السودان بصيغته السيادية. بل انصب خطابه على:

– إطراء فاضح لمصر بوصفها صاحبة “الدور العظيم وغير المسبوق”

– تمجيد “تجربتها الملهمة” و”قيادتها الرشيدة”

– حديث طويل عن التحديات التنموية في مصر وكأنها قضيته الأولى

– تملق مباشر للقيادة المصرية، في وقت ينهار فيه السودانيون تحت أنقاض الحرب، يتساءلون: من يمثلنا حقًا؟

سلطة بورتسودان والواجهة المدنية الفارغة:

قدمت سلطة بورتسودان كامل إدريس للداخل والخارج كوجه مدني يمكن أن يفتح أبواب القبول الدولي، لكن هذه المحاولة فشلت في أول اختبار حقيقي. ففي اجتماع مجلس السلم والأمن الأفريقي الأخير، لم يُرفع تجميد عضوية السودان، على خلاف ما كانت السلطة تأمل. الرسالة واضحة: المجتمع الدولي يميز بين الواجهة المدنية والجوهر العسكري–الانقلابي، ولا تنطلي عليه محاولة التجميل الشكلي- سنعود لهذا في سياق اخر.

القاهرة لا تحتاج لاحتلال الخرطوم أو بورتسودان:

زيارة كامل إدريس تكشف بجلاء أن القاهرة ليست في حاجة لإرسال جيشها إلى الخرطوم أو بورتسودان لتفرض نفوذها. ما تريده أبسط وأكثر فاعلية: مسؤولون سودانيون يتحدثون بلسانها أكثر مما يتحدثون بلسان شعبهم، يفتحون أمامها الطريق إلى الموارد والمياه والموانئ، ويمنحون تدخلاتها الاقتصادية والاستراتيجية غطاءً من “الشرعية الوطنية” وشعارات “الأخوة والتعاون”. هذا النوع من السيطرة الناعمة أخطر من الاحتلال المباشر، لأنه يأتي من الداخل، ويُسوَّق باعتباره خيارًا سياديًا، بينما هو في الحقيقة تفويض طوعي للهيمنة الخارجية.

إعادة الإعمار كغطاء للنهب المسبق:

تتعامل القاهرة مع ملف إعادة الإعمار في السودان ليس باعتباره مشروعًا وطنيًا لإنقاذ شعب منكوب، بل كفرصة اقتصادية–سياسية هائلة لاقتناص عقود بمليارات الدولارات. الفكرة الجوهرية هي السيطرة على المداخل الكبرى للاقتصاد السوداني عبر منح الشركات المصرية عطاءات مباشرة، بلا مناقصات شفافة، ودون إعداد خطط استراتيجية أو دراسات تقييم تشارك فيها المجتمعات المحلية. هذه ليست إعادة إعمار بمعناها التنموي، بل إعادة إعمار تابعة، تخدم تثبيت النفوذ المصري وتأمين الوصول إلى الموارد، مع إحكام السيطرة على البنية التحتية والممرات التجارية.

في الوضع الطبيعي لأي دولة خرجت من حرب مدمرة، تبدأ إعادة الإعمار بعد وقف إطلاق النار واستقرار الأوضاع الأمنية، وتسبقها مرحلة تقييم شامل للأضرار، تليها خطة وطنية ذات أولويات واضحة، بمشاركة المجتمعات المحلية، مع جدول زمني واقعي وآليات رقابة مالية مستقلة. لكن ما يُطرَح الآن للسودان هو العكس تمامًا: فتح باب الإعمار قبل توقف الحرب، وبطريقة انتقائية تركّز على الخرطوم وبعض المرافق التي تخدم السلطة والمصالح الإقليمية، بينما تظل مناطق الدمار الأكبر في دارفور، النيل الفونج الجديد، وجبال النوبة مهمَّشة وخارج الحسابات.

هذا النمط شهدناه في العراق بعد 2003، حين حصلت شركات مرتبطة بالتحالف الأميركي–البريطاني على عقود ضخمة لترميم المنطقة الخضراء وبناء المقرات الحكومية، بينما بقيت البصرة والموصل ومدن الجنوب بلا بنية أساسية حقيقية لسنوات. ورأيناه في لبنان بعد حرب 2006، حيث تركّزت جهود الإعمار على وسط بيروت التجاري، فيما بقيت ضواحي الجنوب والبقاع في حالة دمار طويل الأمد. وكذلك في الصومال، حيث انحصرت مشاريع الإعمار في الموانئ والأسواق المرتبطة بالقوى الإقليمية، دون إعادة بناء مؤسسات الدولة أو معالجة أوضاع النازحين.

لكن هناك نماذج أخرى تثبت أن الإعمار يمكن أن يكون مشروعًا وطنيًا جامعًا، إذا انطلق من رؤية شاملة وإرادة سياسية مستقلة. رواندا بعد 1994 مثال بارز: فقد بدأت خطة إعادة الإعمار بعد وقف الإبادة مباشرة، بقيادة حكومة وطنية وضعت المصالحة المجتمعية في صلب المشروع، ووزعت الموارد على جميع الأقاليم، مع إصلاحات في التعليم والصحة والزراعة. كذلك البوسنة والهرسك بعد اتفاق دايتون 1995، حيث خُصصت ميزانيات دولية بإشراف مشترك بين الدولة والمجتمع المدني، وربطت عمليات الإعمار بإعادة توطين اللاجئين وضمان عودتهم الآمنة.

في المقابل، ما يجري التمهيد له في السودان اليوم أقرب إلى إعادة إعمار شكلية: ترميم جسور العاصمة، إعادة بناء المقار الرسمية، وتطوير الطرق التي تربط الخرطوم بالموانئ، بينما تُترك الأطراف التي دمرتها الحرب في عزلة وفقر مدقع. إنها إعادة إعمار” للهيمنة، وليست إعادة إعمار للوطن”

النمطية كخطر سياسي:

إعادة إنتاج صورة “عثمان البواب” أو

“Sambo”

في الأداء السياسي السوداني ليست مجرد إهانة رمزية، بل خطر استراتيجي على الوعي والسيادة. فهي تشرعن التبعية وتطمس صوت السودان المستقل، وتغري القوى الإقليمية بالتعامل مع السودان كمساحة نفوذ دائمة.

كسر هذه النمطية يبدأ بخطاب نديّ يضع السودان في موقع الفاعل لا المفعول به، ويعيد تعريف العلاقة مع مصر على أساس التكافؤ، لا الخدمة.

أخيرًا: النخب المطيعة كآلية لإدامة الحرب وترسيخ الوصاية:

تكشف زيارة كامل إدريس إلى القاهرة عن أحد أعمق أوجه الأزمة السودانية الراهنة: نخب بورتسودان المطيعة، التي تُقدَّم بواجهة “مدنية” بينما هي نتاج ترتيبات إقليمية ومحلية مضادة للثورة ولأي مشروع تغيير جذري يخاطب مصالح جميع السودانيين. هذه النخب لا تقل خطورة عن الجنرالات وقادة الميليشيات الإسلامية الذين أشعلوا الحرب ويتمسكون بإدامتها؛ فكلاهما، العسكري والمدني الموالي، يعمل على إعادة إنتاج الوصاية، ويمنع الشعب من امتلاك قراره السيادي.

تمنح هذه النخب القوى الإقليمية والدولية الحق في رسم الخرائط السياسية والاقتصادية، مكتفية بدور الوكيل المحلي الذي يضفي شرعية على تدخل الخارج، ويطيل أمد الحرب عبر التغطية على أسبابها البنيوية. والأخطر أنها تسوّق أوهام “إعادة الإعمار” في ذروة النزاع، وهي تدرك أن الدمار لم يتوقف بعد، محوّلة المأساة الوطنية إلى فرصة للاستثمار السياسي والاقتصادي، بدل أن تتعامل معها ككارثة تستلزم وقف الحرب وإعادة تأسيس الدولة على أسس تضمن المواطنة المتساوية.

في هذا الإطار، تصبح مواجهة هذه النخب أولوية لا تقل أهمية عن وقف إطلاق النار نفسه. فالتحرر من الهيمنة لا يقتصر على إسكات المدافع، بل يتطلب أيضًا إسكات “لغة البواب” التي تحوّل القيادات السياسية إلى خدَم في بلاط الآخرين. وكما أن كسر النمطية الثقافية شرط للتحرر الرمزي، فإن تفكيك سلطة النخب التابعة شرط للتحرر السياسي، والخروج من الحلقة المفرغة للوصاية والحرب.

النضال مستمر والنصر اكيد.

(أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.