
⭕️ تفكيك الجيش الارهابي
بقلم عمار نجم الدين
الإرهاب داخل الجيش السوداني ومسؤولية الدولة في الحروب الطويلة لا تتكلم البنادق وحدها تتكلم أيضاً التحالفات التي تتشكل في الظل، والشبكات التي تتسلل إلى داخل المؤسسات والأفكار التي تختبئ خلف الزي العسكري في السودان تبدو الحرب اليوم أكثر من مجرد صراع على السلطة إنها مواجهة مع بنية قديمة ظلت تتشكل داخل المؤسسة العسكرية لعقود بنية امتزج فيها العسكري بالأيديولوجي والدولة بالتنظيم والجيش بشبكات الإسلام السياسي
قرار الولايات المتحدة تصنيف الحركة الإسلامية السودانية وجناحها المسلح ضمن قائمة التنظيمات الإرهابية لم يكن حدثاً عابراً
القرار كان أشبه بكشف ضوء قوي على جزء ظل طويلاً في الظل
جزء يتعلق بعلاقة هذه الجماعات بالمؤسسة العسكرية نفسها
فالكثير من التقارير والتحليلات تشير إلى أن شبكات الإسلاميين لم تغادر الجيش السوداني بعد سقوط نظام البشير
بل بقيت داخله
تحركه أحياناً
وتتكيّف معه أحياناً أخرى
ومع اندلاع الحرب الحالية عاد هذا السؤال القديم
من يقاتل داخل الجيش
ومن يقاتل باسمه
في الوقت نفسه بدأت ملامح علاقة أخرى تطفو على السطح
علاقة بين القيادة العسكرية السودانية والحرس الثوري الإيراني
علاقة تقوم على السلاح والتدريب والتنسيق
لم يكن السودان غريباً على هذا النوع من العلاقات
ففي التسعينات كانت الخرطوم إحدى ساحات التقارب بين الإسلاميين في السودان وطهران
لكن الحرب الحالية أعادت إحياء هذا المسار بطريقة أكثر وضوحاً
التقارير تتحدث عن طائرات مسيّرة إيرانية دخلت المعركة
وعن خبراء عسكريين يعملون في مناطق خاضعة لسيطرة الجيش
وعن قنوات تسليح وتدريب أعيد فتحها مع اشتداد الحرب
هذه التطورات لا تضع السودان فقط في قلب نزاع داخلي
بل في قلب شبكة صراعات إقليمية تمتد من البحر الأحمر إلى الشرق الأوسط
لكن السؤال الأكبر لا يتعلق فقط بالتحالفات
بل بالمسؤولية
القانون الدولي يعرف مفهوماً واضحاً في هذا السياق
يسمى المسؤولية القيادية
وهو مبدأ بسيط في صياغته عميق في نتائجه
القائد العسكري لا يُحاسب فقط على الأوامر التي يصدرها
بل أيضاً على الجرائم التي ترتكبها القوات الخاضعة لقيادته
إذا كان يعلم بها
أو كان ينبغي أن يعلم
هذا المبدأ ظهر في محاكمات الحرب العالمية الثانية
ثم أصبح جزءاً من القانون الجنائي الدولي
وهو اليوم أحد الأسس التي تقوم عليها المحكمة الجنائية الدولية
في السودان تبدو هذه القاعدة القانونية وكأنها تقترب من قلب الأزمة
فالحرب لم تعد مجرد معارك على الأرض
بل تحولت إلى ملف قانوني وسياسي يتراكم أمام المجتمع الدولي
عقوبات
تقارير أممية
تحقيقات محتملة
كلها تضع المؤسسة العسكرية السودانية تحت مجهر غير مسبوق
لكن خلف هذه الصورة يقف تناقض سياسي لا يمكن تجاهله
الفريق أول عبد الفتاح البرهان ظل يكرر في خطاباته أنه ليس جزءاً من الحركة الإسلامية
وأنه يقف على مسافة واحدة من جميع القوى السياسية
غير أن ما جرى منذ انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر 2021 يقدم رواية مختلفة
فالانقلاب الذي قاده البرهان أعاد فعلياً شبكات الإسلاميين إلى قلب السلطة
وفتح الباب أمام عودة كوادر النظام القديم إلى مؤسسات الدولة
في ذلك الوقت كان البرهان يكرر عبارة بدت مطمئنة لكثيرين
الجميع مسموح له بالمشاركة السياسية ما عدا المؤتمر الوطني
لكن ما حدث لاحقاً كشف مفارقة واضحة
إذ حُرمت معظم القوى السياسية من المشاركة
بينما عادت شبكات الإسلاميين نفسها إلى مواقع النفوذ داخل الدولة
هذه المفارقة جعلت كثيراً من المراقبين يتحدثون عن استخدام البرهان لأسلوب سياسي يشبه ما يعرف في الفقه الشيعي بمفهوم التقية
أي إخفاء الحقيقة السياسية خلف خطاب مختلف
النتيجة أن الخطاب المعلن كان يتحدث عن إبعاد الإسلاميين
بينما كانت الوقائع تشير إلى عودة تدريجية لنفوذهم داخل المؤسسة العسكرية
ولم يكن هذا الارتباط جديداً بالكامل
فالروايات المتداولة في دارفور تشير إلى أن البرهان كان في شبابه قريباً من تنظيم الحركة الإسلامية
ويُقال إنه كان رئيساً للتنظيم في محلية نيرتتي في سنوات سابقة
حتى إن سيارته العسكرية القديمة من نوع التاتشر كانت تحمل عبارة كتب عليها البرهان رب الفور في دلالة على حضوره ونفوذه في تلك المنطقة
هذه التفاصيل قد تبدو للبعض مجرد حكايات من الماضي
لكنها تكتسب معنى مختلفاً عندما توضع في سياق التحالفات الحالية داخل الجيش
فالمشكلة في السودان اليوم لا تتعلق فقط بالحرب
بل بالبنية التي تحكم المؤسسة العسكرية نفسها
جيش تشكل عبر عقود طويلة من الحكم العسكري
واختلطت داخله السياسة بالتنظيمات
والأيديولوجيا بالسلاح
وهنا تظهر المعضلة الحقيقية
هل يمكن إصلاح مؤسسة عسكرية نشأت داخل نظام سياسي مغلق
أم أن الطريق الوحيد هو تفكيك هذه البنية وإعادة بنائها
كثير من التجارب في العالم واجهت هذا السؤال
في بعض الدول خرجت الجيوش من الحروب أكثر مهنية
وفي دول أخرى تحولت إلى جزء من المشكلة نفسها
السودان اليوم يقف أمام هذا المفترق
فإما أن يتحول الجيش إلى مؤسسة وطنية محايدة
أو يبقى ساحة لصراعات التنظيمات والتحالفات الخارجي
في النهاية لا يمكن لدولة أن تستقر إذا بقي جيشها ساحة مفتوحة للأيديولوجيا والتحالفات السرية
الدولة تحتاج جيشاً يحميها
لا جيشاً يحتاج إلى من يحميه
والسؤال الذي يقترب ببطء من قلب المشهد السوداني ليس فقط
كيف تنتهي هذه الحرب
بل كيف يولد جيش جديد بعدها
جيش لا يشبه الماضي
ولا يحمل أعباءه الثقيلة
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.