
⭕️ تصنيف الإخوان المسلمين في السودان: لحظة الحقيقة التي تتهرب منها النخب
10/3/2026 خالد كودي، بوسطن
في التاسع من مارس 2026 أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية تصنيف تنظيم الإخوان المسلمين في السودان كـ”كيان إرهابي عالمي مصنف تصنيفًا خاصًا”، مع نية إدراجه رسميًا ضمن قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية اعتبارًا من 16 مارس. وجاء القرار مستندًا إلى جملة من الاتهامات التي وردت في البيان الأمريكي، من بينها: ارتكاب أعمال عنف ضد المدنيين خلال الحرب في السودان، وتنفيذ عمليات إعدام جماعية، وتلقي بعض المقاتلين تدريبًا أو دعمًا من الحرس الثوري الإيراني، إضافة إلى الارتباط بميليشيات مسلحة مثل لواء البراء بن مالك الذي سبق أن فرضت عليه واشنطن عقوبات بسبب دوره في الحرب، فضلًا عن اتهام الجماعة بعرقلة جهود وقف إطلاق النار وإطالة أمد المعاناة الإنسانية.
ومثل هذا التصنيف يعني عمليًا تجميد أي أصول مالية للتنظيم داخل الولايات المتحدة، وحظر التعامل المالي معه، وفرض عقوبات على الأفراد أو الجهات التي تقدم له الدعم لكنه، رغم أهميته السياسية والرمزية، لا يمثل في حد ذاته حلاً للمشكلة السودانية. فالمعضلة أعمق بكثير من مجرد قرار دولي أو عقوبات مالية.
المثير للانتباه أن ردود الفعل داخل السودان انقسمت بين خطابين متوقعين: خطاب الحركة الإسلامية الذي عبّر عنه علي أحمد كرتي بلهجة إنكارية مألوفة، وخطاب قطاع من النخب والأحزاب ومنظمات المجتمع المدني الذي اكتفى بالتهليل للقرار وكأنه نهاية المشكلة. وبين هذين الخطابين تضيع الحقيقة الجوهرية: فالأزمة في السودان لا تكمن في تنظيم الإخوان المسلمين بوصفه جماعة سياسية فحسب، بل في الأيديولوجيا التي أنجبته ومكّنته من اختراق الدولة وإعادة تشكيل المجتمع وفق مشروع سلطوي يستخدم الدين أداةً للهيمنة السياسية.
رد كرتي: الإنكار الأيديولوجي
لم يخرج رد علي كرتي عن القاموس السياسي التقليدي للحركة الإسلامية. فقد سخر من القرار الأمريكي واعتبره تدخلاً من دولة “تنشر الإرهاب في العالم”، ثم ذهب أبعد من ذلك حين قال إن الإخوان المسلمين “متغلغلون في الشعب السوداني” وإن تصنيفهم يعني عمليًا تصنيف الشعب كله!
هذه الحجة ليست جديدة؛ فقد استخدمتها الحركات الأيديولوجية عبر التاريخ عندما تواجه المساءلة. فبدلاً من الدفاع عن سجلها السياسي أو الاعتراف بجرائمها، تحاول اختزال المجتمع في نفسها. لكن الواقع السوداني يثبت العكس: فالحركة الإسلامية ليست الشعب السوداني، بل تنظيم سياسي أيديولوجي استخدم الدولة لفرض مشروعه، وهو المشروع الذي قاد البلاد إلى واحدة من أطول الحروب وأعمق الكوارث الإنسانية في تاريخها ولايزال .
النخب السودانية: تهليل بلا فهم
غير أن المشكلة الأكبر لا تكمن في خطاب الحركة الإسلامية وأمينها العام وحده، بل في سطحية ردود فعل قطاعات واسعة من النخب السياسية والأحزاب ومنظمات المجتمع المدني التي تعاملت مع قرار التصنيف وكأنه انتصار سياسي نهائي. فقد انشغلت هذه النخب بالاحتفاء بالقرار، لكنها تهرّبت من السؤال الجوهري: كيف تمكنت الحركة الإسلامية أصلًا من بناء هذه السلطة الطويلة والمركبة داخل الدولة السودانية؟
إن اختزال الأزمة في تنظيم الإخوان المسلمين وحده لا يمثل تحليلًا سياسيًا علميًا ولا رؤية استراتيجية منتجة، بل هو في جوهره هروب من مواجهة الحقيقة البنيوية للمشكلة. فالتنظيم، بحكم طبيعته الأيديولوجية، قادر على تغيير اسمه أو شكله التنظيمي أو تحالفاته تبعًا للظروف السياسية؛ إذ يمتلك قدرة عالية على التكيف والتموضع. لذلك فإن المشكلة الحقيقية لا تكمن في الاسم الراهن للتنظيم أو في بنيته التنظيمية، بل في الفكرة التي أنجبته ومكّنته من التمدد: فكرة توظيف الدين وتحويله إلى أداة للسلطة السياسية.
وإذا لم يتم تفكيك هذه الفكرة تفكيكًا جذريًا، فإن التاريخ سيعيد إنتاجها مرة أخرى. سيختفي تنظيم ليظهر تنظيم آخر يدّعي أنه يحمل رسالة “الإسلام الصحيح”، ويعيد توظيف الدين لتبرير الهيمنة والعنف باسم الشرعية الإلهية وفتاوي الحاكمية. وهنا تكمن المفارقة العميقة: كثير ممن يهللون اليوم لتصنيف الإخوان المسلمين كتنظيم إرهابي ما زالوا يرفضون المبدأ الوحيد القادر على منع تكرار التجربة: العلمانية، أي الفصل بين الدين والدولة!
جوهر الأزمة: الدولة الدينية
لقد قامت تجربة الحركة الإسلامية في السودان على فكرة مركزية واحدة: احتكار تفسير الدين وتحويله إلى أداة للهيمنة السياسية. ومن خلال هذه الفكرة جرى بناء منظومة كاملة من المؤسسات الأمنية والعسكرية والأيديولوجية، من كتائب الظل الي الدفاع الشعبي إلى المليشيات الجهادية، ومن أجهزة التعبئة الفكرية إلى شبكات الاقتصاد السياسي المرتبطة بالحرب
وباسم هذه الأيديولوجيا جرى تجنيد آلاف الشباب في ما سُمي بـ”الجهاد”، وتحويل الحرب الأهلية إلى حرب عقائدية، وهو ما أسهم في تعميق الانقسام الاجتماعي وإطالة أمد الصراع.
لهذا السبب فإن معالجة المشكلة لا يمكن أن تتم عبر العقوبات الدولية وحدها، ولا عبر إسقاط تنظيم بعينه في زمان بعينه. فالمعضلة ليست تنظيمية بل بنيوية: إنها كامنة في طبيعة الدولة التي تسمح أصلًا بتسييس الدين.
فالدولة التي تفتح المجال لاستخدام الدين في السلطة ستظل دائمًا مفتوحة أمام كل جماعة تدّعي احتكار الحقيقة الإلهية.
التاريخ الذي لم تتعلم منه النخب
المفارقة أن النخب السودانية أُتيحت لها أكثر من فرصة تاريخية لفهم هذه الحقيقة، لكنها في كل مرة فضّلت الهروب من المواجهة، وفي كل مرة تسقط مع سبق الإصرار!
بعد انتفاضة أكتوبر 1964 لم يُطرح سؤال الدولة الدينية بجدية، بل تُرك الأمر للمساومات السياسية بين الأحزاب التقليدية. وبعد انتفاضة أبريل 1985 تكرر السيناريو نفسه؛ إذ عادت القوى السياسية إلى تحالفاتها التقليدية، وتجاهلت البنية الأيديولوجية التي سمحت للحركة الإسلامية بالتغلغل داخل الدولة والمجتمع، وكانت النتيجة انقلاب 1989 الذي أسس لأطول تجربة سلطوية في تاريخ السودان الحديث.
حتى بعد ثورة ديسمبر 2018، حين كان من الممكن فتح نقاش تأسيسي حول طبيعة الدولة السودانية كما اقترحت الحركة الشعبية لتحرير السودان شمال وغيرها في ذاك الحين، فضّلت قطاعات واسعة من النخب الهروب إلى الشعارات العامة، وتجنبت مواجهة السؤال الحاسم:
هل يمكن بناء دولة ديمقراطية بينما يظل الدين جزءًا من السلطة السياسية؟
إن الإصرار على تجنب هذا السؤال ليس مجرد خطأ سياسي، بل تواطؤ مع البنية التي أعادت إنتاج الاستبداد.
المبادئ فوق الدستورية الغائبة
إن جوهر المشكلة يكمن في أن النخب السودانية ظلت تتعامل مع قضية الدولة بوصفها مسألة توازنات سياسية مؤقتة، لا بوصفها مسألة مبادئ تأسيسية غير قابلة للمساومة.
ولهذا السبب فإن النقاش حول مستقبل السودان لا يمكن أن يتجاوز مسألة المبادئ فوق الدستورية؛ أي تلك المبادئ التي يجب أن تكون محصنة فوق الصراع السياسي اليومي لأنها تمثل الأساس الأخلاقي والقانوني للدولة.
ومن أهم هذه المبادئ:
– العلمانية- الفصل بين الدين والدولة باعتباره الضمان الوحيد للمواطنة المتساوية.
– حياد الدولة تجاه جميع المعتقدات الدينية.
– منع استخدام الدين في الصراع السياسي أو التعبئة العسكرية.
– نظام قانوني مدني مستقل عن التأويلات الدينية.
– حظر قيام الأحزاب أو التنظيمات على أساس ديني يستخدم العقيدة كأداة للسلطة.
هذه المبادئ ليست ترفًا فكريًا، بل هي الشرط الضروري لمنع تحويل الدين إلى أداة حرب.
العلمانية كشرط للسلام
ولهذا السبب فإن أي نقاش جاد حول مستقبل السودان لا يمكن أن يتجاوز مسألة العلمانية. فالعلمانية ليست حربًا على الدين كما يروج خصومها، بل هي الضمان الوحيد لحماية الدين نفسه من الاستغلال السياسي.
الدولة العلمانية لا تلغي الإيمان، لكنها تمنع تحويله إلى سلاح في الصراع على السلطة.
إن التجربة السودانية أثبتت بوضوح أن الدولة الدينية لا تنتج الإيمان، بل تنتج الحرب!
الخلاصة: معركة الأفكار لا معركة التنظيمات
إن تصنيف الإخوان المسلمين كتنظيم إرهابي قد يكون خطوة ذات دلالة في السياق الدولي، لكنه لن يغيّر شيئًا جوهريًا في السودان ما لم يُفهم ضمن إطاره البنيوي الأعمق، وما لم تستيقظ القوى السياسية والمجتمعية الفاعلة لتُحصّن البلاد عبر مبادئ تأسيسية فوق دستورية تعالج جذور الأزمة لا أعراضها.
فالمشكلة ليست في تنظيم الإخوان المسلمين بوصفه كيانًا سياسيًا فحسب، بل في الفكرة الأيديولوجية التي أنجبته ومكّنته من تحويل الدين إلى أداة للسلطة السياسية. هذه الفكرة، متى ما بقيت دون تفكيك نقدي وقانوني، ستظل قادرة على إعادة إنتاج نفسها بأسماء جديدة وتنظيمات مختلفة. سيختفي تنظيم ليظهر آخر، وستتكرر الحلقة نفسها من التعبئة الدينية والعنف السياسي، والفساد والاستبداد.
ولهذا فإن التهليل لتصنيف التنظيم، مع الاستمرار في تجاهل السؤال الجوهري المتعلق باستخدام الدين في الدولة، ليس موقفًا سياسيًا مسؤولًا، ولاناضجا، ولا ذكيا، ولا شجاعا بل تعبير عن لامبالاة فكرية تؤجل الكارثة بدل أن تمنعها.
إن ما يحتاجه السودان ليس نهاية تنظيم سياسي بعينه فقط، بل حسمًا تاريخيًا لمسألة الدولة الدينية عبر تأسيس نظام دستوري يقوم على العلمانية- حياد الدولة تجاه الأديان، وضمان المواطنة المتساوية، ومنع توظيف العقيدة في الصراع السياسي. ومن دون هذا التحول التأسيسي، سيظل المستقبل مفتوحًا أمام إعادة إنتاج المأساة ذاتها، وإن تغيّرت الأسماء والشعارات.
النضال مستمر والنصر اكيد.
(أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.