هل يملك مبارك اردول رؤية اقتصادية حقيقية للسودان؟ قراءة نقدية

✍️🏽 حسن كاكوم ( كرنقو )

 

في إحدى مداخلاته الأخيرة، قدّم مبارك أردول محاضرة علي صفحته بالفيسبوك في الشأن الاقتصادي السوداني من زاوية قطاع التعدين وصادرات الذهب. ورغم أهمية ما طرحه من نقاط، إلا أن كثيرًا من حديثه جاء محمّلاً بالانتقائية والمبالغة، ما يستدعي قراءة نقدية أكثر توازنًا.

 

حصر أردول الفكر الاقتصادي في ثلاث مدارس فقط: المركنتيلية، والرأسمالية، والاشتراكية، وأرجع آدم سميث إلى كونه “إنجليزيًا” رغم أنه في الحقيقة اسكتلندي. هذا التبسيط يتجاهل التطورات اللاحقة مثل الكينزية، النيوكلاسيكية، النموزج المختلط والمدارس المؤسسية التي تركت أثرًا عميقًا في السياسات الاقتصادية الحديثة، بما فيها إدارة الموارد الطبيعية.

 

إصراره على وصف الاقتصاد السوداني بالتقليدي فقط يغفل حقيقة أن الاقتصاد السوداني الحالي هو اقتصاد ريع عشائري هش يعتمد على صادرات أولية كالذهب والصمغ ، دون قدرة على تنويع حقيقي للإنتاج. كما أشار إلى أن المعدّنين الأهليين هم من اكتشفوا الذهب وليس الدولة، وأن الحكومة تدخل فقط كشريك في مرحلة الإنتاج عبر الضرائب والعوائد. هذه النظرة تتجاهل غياب البنية التحتية، وضعف التشريعات، وانتشار التهريب، وهو ما جعل القطاع الأهلي يعمل في فوضى تُهدر عوائد كبيرة على الاقتصاد الكلي.

 

وصف أردول الاقتصاد السوداني بالتابع للإمارات لقياس سعر الصرف بالدرهم، لكن هذه العلاقة انعكاس لاعتماد السودان على تحويلات المغتربين والمبادلات التجارية عبر دبي كمحطة رئيسية للذهب السوداني، وهو وضع ناتج عن غياب سياسة خارجية واقتصادية متنوعة، لا مجرد “مؤامرة نقدية”. كما تباهى بأن فترة إدارته شهدت وصول الذهب إلى 47% من الصادرات، غير أن هذه النسبة تعكس هشاشة الاقتصاد أكثر مما تعكس إنجازًا؛ إذ إن الاعتماد المفرط على سلعة واحدة يجعل البلاد عرضة لتقلبات الأسعار العالمية ويزيد من مخاطر التهريب والفساد.

 

أما دعوته لترك تسعير الذهب للبورصة العالمية وعدم تدخل البنك المركزي، فهي تبدو منطقية على الورق لكنها تتجاهل خصوصية السودان، حيث غياب الاحتياطي الكافي وغياب أدوات رقابية فعالة يعني أن تحرير السوق بالكامل لن يؤدي إلا إلى مزيد من التهريب والمطلوب هو مزيج من الضبط والتشجيع مع إصلاحات هيكلية في قطاع التعدين. كما أن تصويره للاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بأنه ملك لأفراد يتجاهل طبيعته كمؤسسة شبه مستقلة لها ولاية قانونية عامة. هذه المبالغات تسطح النقاش ولا تفيد القارئ السوداني في فهم التحديات المحلية.

 

انتقد أردول سياسات اللجنة الاقتصادية الحالية في احتكار الذهب محذرًا من تهريب واسع، لكن البديل الذي يقترحه، وهو الاكتفاء بدور تنظيمي للدولة، لن ينجح دون ضبط سلاسل الإمداد وتطوير مصافي محلية، وتوسيع قاعدة الصادرات غير الذهبية. كما أكد على تثبيت سعر الدولار عبر حصائل الصادر، وهو ما يكشف إدراكًا لأهمية موارد النقد الأجنبي، لكنه يغفل أن ذلك يحتاج إلى تنويع مصادر الصادر كالزراعة والصناعة والخدمات لا الاكتفاء بالذهب. أما إشارته إلى ضرورة إيجاد بديل لبنك النيلين أبوظبي بعد تعثر العلاقات مع الإمارات فهي صحيحة في جوهرها، لكن الحل لا يقتصر على بديل مصرفي خارجي، بل يتطلب إصلاح النظام المصرفي المحلي وإعادة دمجه مع النظام المالي العالمي.

 

ما أغفله أردول كان أكثر مما ذكره؛ فهو لم يطرح رؤية لإصلاح هيكلي أوسع ولم يتطرق إلى قضايا العدالة في توزيع عوائد الذهب على المجتمعات المحلية المتأثرة بالتعدين، كما تجاهل المخاطر البيئية والاجتماعية للتعدين الأهلي، وركز على فترة إدارته كمنجز فردي أكثر من تقديم حلول مستقبلية عملية.

 

أما البدائل الواقعية فهي تتمثل في تطوير تشريعات التعدين بما يضمن الشفافية والحد من التهريب، وتوظيف عوائد الذهب في مشاريع إنتاجية في الزراعة والطاقة والبنية التحتية بدل الصرف الاستهلاكي، وتنويع قاعدة الصادرات عبر دعم التصنيع الزراعي، إضافة إلى بناء احتياطي نقدي مستدام عبر سياسات نقدية متدرجة، ودمج السودان في المبادلات الإقليمية والأفريقية بدل الاعتماد على بوابة واحدة.

في النهاية، خطاب أردول جمع بين بعض الحقائق ومبالغات دعائية عن فترته الإدارية والتحدي الحقيقي ليس في نسبة الذهب في الصادرات ولا في علاقة السودان بالإمارات، بل في غياب رؤية وطنية متكاملة تعالج الاختلال البنيوي للاقتصاد السوداني.

ويبقي السؤال مطروحا: هل يملك اردول رؤية اقتصادية حقيقية للسودان؟

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.