
نداء إنساني عاجل لمواطني ولاية جنوب كردفان/ جبال النوبة
✍️🏽 متوكل عثمان سلامات
في الأزمنة القريبة جداً او ربما حتى الآن، كان الإنسان في بعض مناطق جبال النوبة، حين يريد إيصال رسالة عاجلة أو خبر جلل من قرية إلى أخرى، يُكلف أحد الشباب الأقوياء بإبلاغ المجتمعات المجاورة. وعندما يصل هذا الشاب إلى أقرب قمة جبل، يطلق ثلاث صرخات متتالية بأعلى صوته، فيفهم أهل القرى المجاورة أن هناك أمراً خطيراً أو وفاة في المجتمع المجاور. تلك كانت وسيلة الإتصال بين المجتمعات المهمشة والمقصية عن وسائل النقل والموصلات والإعلام الرسمي للدولة، قبل ظهور الفيسبوك والواتساب وغيرها من وسائل التواصل الإجتماعي.
اليوم، ومع تطورات الأحداث المأساوية في السودان، أجد نفسي مدفوعاً بنداء الضمير الإنساني للصعود مجدداً إلى قمم كدقلي ودلنج وبابنوسة ودلامي، لأواصل في إطلاق صرخات جديدة، ليست صرخة موت، بل صرخة حياة، صرخة إلى أهلنا في جبال النوبة، الذين حملوا على ظهورهم أعباء هذا الوطن المعتوه الظالم، بأن يحافظوا على أرواححم وكرامتهم، وألا يواصلوا الإنجرار إلى دوامة التحشيد العرقي والديني والكراهية التي لا تحصد سوى الموت والدمار، إنه نداء من قلب وضمير لا يحتمل إلا حماية الأرواح والحفاظ على كرامة الإنسان، نناشدكم بكل ما نملك من إنسانية ومسؤولية أخلاقية ألا تستجيبوا او تشاركوا في دعوات وحملات الإسلاميين الإنقلابيين بالإستنفار إلى الموت سمبلا.
بعد تحرير الفاشر من قبضة الجلابة الإسلاموعروبيين والإنتهازيين المحليين من أبناء الهامش على يد قوات الدعم السريع، إنتشر الرعب في أوساط هؤلاء الإسلاميين ونخب الهامش المتحالفة معهم، الذين ظلوا يستخدمون المدنيين دروعاً بشرية من خلال إستنفارات وتحشيد مبنيين على خطاب عنصري. لقد وصلت حالة الإنقسام وسط الإسلاميين الإرهابيين وحكومتهم، إلى حد نقل أعمال حكومة ولاية شمال كردفان من الأبيض إلى كوستي، في مؤشر واضح على تفكك المؤسسات وإرتباك إدارة الحكومة غير الشرعية.
في هذه المواجهة العسكرية، كانت ولا زالت ولاية جنوب كردفان/ جبال النوبة أكثر المناطق تضرراً وإستهدافاً. فالكثير من أبنائها جرى إستقطابهم للقتال حماية للجلابة الإسلاموعروبيين والنخب الإنتهازية من أبنائها، بينما تُركت أسرهم بلا مأوى ولا غذاء ولا دواء. بل إن وزير الدفاع الذي ينتمي إليهم شكلاً والمرمز به تضليلاً في السلطة الحالية زاد المعاناة سوءاً بهدم منازل المواطنين وتركهم في العراء، في حين يُدفع أبناؤهم للموت في معارك لا ناقة لهم فيها ولا جمل.
هذا الإهمال دفع أعداداً كبيرة من أسر عناصر الجيش نحو الهروب من الجوع والبحث عن الأمان والعدالة والمساواة، والإلتحاق بمناطق تسيطر عليها الحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السودان – شمال، حيث تُقدَّم لهم الحد الأدنى من مساعدات الطعام والمأوى والعلاج، وهذا وحده كافٍ ليفتح أعينكم على حقيقة من يهتم بحياتكم.
الأهل في كدقلي والدلنج وبابنوسة، وتلودي وأبوجبيهة ودلامي وغيرها من مدن الإقليم، لا تنقادوا خلف خطاب الكراهية والعنصرية الذي يروّجه أبناءكم سواء من الإسلاميين الذين لا مستقبل لهم أو من الأقلية التي فقدت البوصلة الإخلاقية في الشتات.، أرجوا أن لا يضللوكم هؤلاء الكذابين الأفاكين بإسم الدين والعرق، ويطمأنوكم بالبقاء في ساحة المعركة بحجة أن هناك أسلحة جديدة تم تسريبها للجيش بكدقلي وخبراء أجانب تم إنزالهم، فكيف يمكن لحفنة من الأسلحة المسربة أن تنصر مدينة، في الوقت الذي فشلت فيه ترسانة الأسلحة المصنعة في الدولة والمستوردة من حلفائها من نصرة الدولة نفسها لما يقارب الأربعة سنوات؟. فالولاية سقطت منذ هزيمة (متحرك الصياد) في كردفان، هذا المتحرك لم يكن لفك حصار الفاشر كما أعلن وروج له قيادة الجيش الإسلامي الإرهابي وصدقت الأمر الحركات المتحالفة معه، فقد توصل الجيش إلى قناعة مفادها أنه فقد دارفور منذ وقت مبكر (ولايات دارفور جفلن)، وما متحرك الصياد إلا لـ(يقرع) ولايات كردفان (الواقفات على رجل واحد غير ثابت) وقد تم تدمير متحرك (الصياد) المعول عليه ولحقه في الهلاك متحرك (أسود عرين الجبال). إحذروا من الذين يطمئنونكم بتسريب أسلحة للجيش أو حصوله على دعم خارجي إيراني او غيره، فمثل هذه الأوهام لم تنقذ أحدًا، ولن تحمي أحدًا.
إنّ من يقودون هذا الخطاب لا يقدّرون حياة الناس ويريدون أن يبقوكم كمدنيين دروع للجيش في تلك المدن، لقد رأينا جميعاً كيف إنتهت المآسي في الفاشر وغيرها حينما غلبت العاطفة على العقل، وأحتجز الأبرياء في ساحات المعارك بإسم الدين أو العِرق أو الواجب الوطني، رغم نداءات ورجاءات تحالف تأسيس لهم للخروج من مناطق العمليات العسكرية.
لهذا، ومن منطلق المسؤولية الإنسانية والأخلاقية، أدعوكم بكل صدق وإلحاح إلى ما يلي:
لا تشاركوا في الإستنفارات والتحشيد ومعسكرات الأسلمة والتعريب للنساء، مهما كانت الضغوط أو الوعود، لأن المشاركة لن تحميكم بل قد تؤدي بكم وأهاليكم إلى مصائر لا تُحتمل.
إنفكّوا عن أي إلتزامات قديمة بالمشاركة في القتال مع الجيش الإرهابي او كتائبه المتطرفة، وتجنّبوا الحملات التي تُستغل فيها الإنتماءات العرقية أو القبلية اوالدينية.
أبحثوا عن الخروج الآمن من تلك المدن العسكرية إلى مناطق السيطرة المدنية للحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السودان – شمال عبر المعابر المتاحة لكم، حفاظاً على أرواحكم وممتلكاتكم.
عليكم أن تخرجوا من هذه المدن الآن لحماية الأطفال والنساء وكبار السن وتأمين إحتياجاتهم الأساسية من تعليم وصحة وغذاء الذي ترتبه المنظمات الإنسانية والمجتمعات المحلية من أهاليكم وإخوانكم في مناطق السلطة المدنية للحركة الشعبية.
إن هذا النداء ليس تحريضاً سياسياً، بل صرخة إنسانية صادقة. إن أي مشاركة في القتال مع الإسلاميين وجيشهم يحوّلكم ومجتمعاتكم إلى ساحات خسارة لا لزوم لها. نحن نؤمن بأن السلام العادل والشامل يتطلب معالجة جذور الصراع، وهذا ما يرفضه ويتهرب منه الجيش والنخب الإسلاموعروبية بإستمرار.
وفي هذا الصدد نهيب بالمجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية أن يضاعفوا جهودهم لإيصال المساعدات الإنسانية إلى مناطق نزوح المدنيين تحت سيطرة الحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السودان – شمال، والذي بلغ عشرات الآلاف من النازحين القادمين من المدن التي يسيطر عليها الجيش المختطف، وأن يضمنوا فتح ممرات إنسانية آمنة لهم، وأن يضغطوا لوقف السياسات التي ينتهجها الجيش السوداني لمنع المواطنين من الخروج من تلك المدن حتى يستخدمهم كدروع بشرية.
وفي الختام، نجدد نداؤنا لأبناء الولاية في الجيش والمليشيات المساندة له، إنّ أرواحكم أغلى من أي خطاب، وإن كرامتكم وحقّ أبنائكم في الحياة والآمان لا يُقيمان بأي مطامع سياسية او إمتيازات لحظية يعيشها الكباشي وكبرون والطيب حسن بدوي وغيرهم من الإنتهازيين المضللين من أبناءكم الذين تعلمونهم جيداً في في بورتسودان والمهجر، وتذكروا أن من يحرّضكم اليوم على قتال اخوانكم الذين يحتضنون أسركم ويقدمون لهم المساعدات يعيش آمنًا هو وأسرته بعيدًا عن معسكرات اللجؤ والنزوح وساحات الموت. لا تزال أمامكم فرصة للتمييز بين من يريد حمايتكم ومن يريد إستغلالكم، وتتخذوا القرار السليم في الوقت السليم وتحافظوا على ارواحكم وأرواح أهلكم، وسلامة إقليمكم.
بهذا النداء الإنساني نبرئ ذمتنا أمام الضمير الإنساني عن أي مكروه يحدث لكم نتيجة لمشاركتكم الجيش المختطف ودعمكم للمتطرفين الإسلاميين وحملكم للسلاح معهم ورفضكم الخروج من هذه المدن العسكرية والعملياتية، لأن حماية الإنسان في تقديرنا فوق كل إعتبار، ورفض كل مَنْ يستغل الدين أو العِرْق في إستدعاء الموت.
ولكم مني كل الإحترام والتقدير
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.