مقال (2): جذور المقاومة الشعبية والتحالفات الاجتماعية في التاريخ السوداني مصدر الإطار النظري: من كتاب Ordinary Sudan: جذور الثورة السودانية (1504–2019)

صياغة: علي تونجا علي

في الذكرى السادسة لثورة ديسمبر المجيدة وشهدائها

* بدايات تشكّل مفهوم «المناطق المهمَّشة» ودور المرأة في تاريخ المقاومة الاجتماعية السودانية
(من سلطنة الفونج إلى جهادية كسلا)

إذا كان المقال الأول قد انطلق من فرضية أن التاريخ الاجتماعي هو في جوهره تاريخ للثورة فإن هذا المقال يمضي خطوة أبعد ليكشف كيف تشكّلت أشكال المقاومة الشعبية في السودان خارج الأطر الرسمية للسياسة وكيف راكم المجتمع خبرته الثورية عبر ممارسات يومية صامتة أحيانًا لكنها فعّالة وعميقة الأثر.

تُظهر قراءة التجربة السودانية في عصر سلطنة الفونج أن المقاومة لم تكن دومًا مواجهة مباشرة مع السلطة فقد اتخذت شكل إيماءات عصيان قادها الصوفيون بوصفهم وسطاء اجتماعيين بين الناس والحكم. لم يكن التصوف هنا ممارسة روحية معزولة فقد كانت بنية اجتماعية لعبت دور الحاجز الواقي بين المجتمعات المحلية وجباية السلطة وقهرها. الجوع، لا العقيدة المجردة كان المحرك الأساسي لهذه الأشكال من العصيان مجاعة تدفع شيخًا لتحويل لحاء النخيل إلى طعام، أو لتفسير الاسم الأعظم لله داخل مطبخ يُعد فيه الطعام للفقراء. في هذا السياق، تصبح العدالة الاجتماعية فعلًا دينيًا يوميًا لا خطابًا وعظيًا.

كتاب طبقات ود ضيف الله بوصفه سجلًا كثيفًا للحياة الاجتماعية في السودان ما قبل الحديث يكشف عن طرائق المقاومة اليومية أكثر مما يوثق للكرامات.
هو نص يفضح البنية الطبقية، الفقر، الضرائب، والعنف الرمزي، ويُظهر كيف أن الصوفي كان يُستدعى أخلاقيًا للتدخل أحيانًا تحت ضغط مباشر من النساء. فالنساء كما توضح الحكايات لم يكنّ هامشيات، بل فاعلات في إنتاج العدالة يحتججن، يسخرن، ويُجبرن الشيوخ على اتخاذ مواقف علنية ضد الظلم. هذه ليست تفاصيل فولكلورية فقد كانت مؤشرات مبكرة على وعي اجتماعي يرى العدالة شأنا جماعيا لا منّة سلطوية.

مع نشأة السودان الحديث كدولة استعمارية في القرن التاسع عشر دخل هذا المخزون الشعبي من المقاومة مرحلة جديدة أكثر تنظيمًا ووضوحا. جاءت حركة المهدية بوصفها أول ثورة مكتملة النضج في السودان الحديث لا لأنها رفعت شعارًا دينيًا لأنها أعادت توظيف طريقة المقاومة الصوفية في مواجهة دولة استعمارية قائمة على الجباية والعنف. الجبة المرقعة، رمز الزهد والمساواة، تحولت إلى علامة سياسية والبدعة لم تعد مفهومًا فقهيا فضفاضا بل توصيفًادقيقا لضرائب قهرية مثل (الدقنية ) التي فُرضت على مجتمعات مسلمة بوصفها جزية.
المهم هنا ليس الطابع الديني للخطاب المهدي ولكن كيفية إعادة تفسير المفاهيم الدينية لتخدم واقعًا اجتماعيا محددا. حتى الهجرة إلى المهدي يمكن قراءتها كامتداد لفرار الناس من قراهم هربا من الضرائب أي كفعل اجتماعي دفاعي قبل أن يكون التزامًا عقائديا. الدين مرة أخرى يعمل كوسيط تعبئة لا كمصدر الاستبداد ذاته.
الأكثر دلالة في تجربة المهدية هو وعيها المبكر بأهمية التحالفات. اختيار الخلفاء من أقاليم ومجموعات اجتماعية مختلفة والهجرة الأولى إلى جبال النوبة ومحاولات استقطاب الدينكا وجماعات أخرى، كلها تشير إلى إدراك مبكر لمعضلة المركز والهامش. هذا الوعي لم يكن تنظيرًا مجردًا بل ممارسة سياسية سبقت بكثير تشكل مفهوم المناطق المهمشة في الفكر السوداني الحديث.

إن جذور هذا التفكير التحالفي تعود إلى تمرد جنود الجهادية في كسلا (1864–1865) حيث نظّم المتمردون أنفسهم على أساس مجموعات تمثل الدينكا، النوبة، الفور، والمواليد. هذا النموذج يعيد إلى الأذهان، بشكل لافت، تركيبة حركات تحرر لاحقة مثل الجيش الشعبي لتحرير السودان ويؤكد أن فكرة التحالف بين المقهورين ليست مستوردة لكنها متجذرة في التجربة السودانية نفسها.

منذ ذلك الحين أصبحت مسألة التنمية غير المتوازنة والفجوة بين المركز والأقاليم إحدى العقد المؤسسة للدولة السودانية. صحيح أن المفهوم صيغ نظريًا لاحقًا على يد أحزاب اليسار ثم حركة السودان الجديد، لكن جذوره العملية كانت حاضرة في الوعي الشعبي منذ القرن التاسع عشر ومُعاشة بوصفها ظلمًا يوميًا لا يحتاج إلى تعريف أكاديمي.

بهذا المعنى، فإن ثورة ديسمبر لا تظهر كقطيعة مع التاريخ بل تمثل ذروة لمسار طويل من المقاومة الاجتماعية. ما فعلته ديسمبر هو أنه أعاد توحيد هذه الخيوط حيث المقاومة اليومية. دور النساء، التحالفات العابرة للهويات الضيقة، وتحويل المعاناة المادية إلى وعي سياسي جماعي. وهذا ما يجعل قراءة جذور الثورة السودانية مفتاحًا لفهم الحاضر وحدوده وإمكاناته.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.