ليست حكومة تكنوقراط… بل منظومة تكنو-سلاح!

بقلم✍️🏽: بدين عبدالله ديان [email protected]

 

في عصر يشهد طفرة تكنولوجية هائلة وثورة معرفية غير مسبوقة، أصبحت مفاهيم الديمقراطية وحقوق الإنسان من الثوابت العالمية. فاختيار الشعوب لمن يحكمها لم يعد مجرد مطلب، بل صار ضمانة أساسية لشرعية السلطة وتحقيق الإرادة الشعبية. هذا الاختيار الديمقراطي لا يضمن فقط محاسبة القادة وتعزيز الشفافية والمساءلة، بل يرسخ كذلك ثقافة الحكم الرشيد والاستجابة الفعلية لحقوق المواطنين وحرياتهم.

 

إن نظام الحكم القائم على الإرادة الشعبية يخلق حالة من الثقة المتبادلة بين الحاكم والمحكوم، ويؤسس لاستقرار سياسي دائم، ويضع حدودًا قانونية واضحة تقي من الانزلاق إلى الاستبداد والديكتاتورية.

 

لكن، وفي غفلة من الشعب، جاء انقلاب عسكري بقيادة عبد الفتاح البرهان، الذي انقلب على الثورة وحكومتها المدنية، ثم قاد البلاد إلى أتون حرب مدمرة، هي الأسوأ في تاريخ السودان الحديث. هذه الحرب لم تكن وليدة صدفة، بل جاءت بتخطيط وتوجيه من قِبل الإسلاميين الكيزان.

 

ولم يقف البرهان عند هذا الحد، بل قام بخطوة غير مسبوقة بنقل العاصمة من الخرطوم إلى بورتسودان، التي أصبحت معقلًا جديدًا للكيزان، حتى أطلق عليها البعض ساخرين اسم “بورتكيزان”. وتمادى أكثر حين أعلن تشكيل حكومة “تكنوقراط”، مفروضًا كامل إدريس في منصبي رئيس الوزراء ووزير الخارجية.

 

لكن الحقيقة المؤلمة هي أن ما يُسمى بـ”حكومة التكنوقراط” لا تمت بصلة للتكنوقراطية الحقيقية. بل إنها تمثل توليفة قاتلة لثلاثة أنماط من الحكومات الفاشلة:

 

1. بيروقراطية فاسدة (Corrupt Bureaucracy)

 

حكومة تعاني من فساد مستشرٍ، ورشوة متفشية، وتعسف في استخدام السلطة، وتغرق في روتين عقيم يخنق الأداء العام. وأبرز سماتها:

 

الفساد: استغلال المناصب لتحقيق مكاسب شخصية ومالية، مما جعل الفساد جزءًا من المنظومة.

 

الرشوة: غياب قوانين صارمة لردع الرشوة، ما جعلها وسيلة مألوفة لتجاوز القوانين.

 

التعسف: تعديل القوانين لخدمة أفراد بعينهم، بعيدًا عن مصلحة الشعب.

 

الروتين المعقد: تعقيد الإجراءات لتسهيل الفساد وفرض الجبايات والرشاوى.

 

والنتائج الكارثية لذلك تشمل:

 

تدهور الخدمات العامة الأساسية.

 

تغوّل الفساد في مؤسسات الدولة.

 

انهيار الثقة بين المواطنين والحكومة.

 

شلل اقتصادي واجتماعي يعمّق معاناة الشعب.

 

2. كليبتوقراطية (Kleptocracy)

 

نظام قائم على النهب المنظّم، حيث تُستغل السلطة والثروة لتحقيق مصالح النخب الحاكمة، بلا حسيب أو رقيب. وحكومة كامل إدريس تقدم نموذجًا صارخًا لهذا النوع من الحكم:

 

الفساد الممنهج: ترسيخ ثقافة النهب والفساد كأدوات للحكم.

 

نهب الثروات: استنزاف الذهب والموارد الوطنية لدعم اقتصاد الحرب، بدلًا من دعم الشعب.

 

قمع المؤسسات: تسخير الإعلام والقضاء لتلميع السلطة وكمّ أفواه المعارضين، مع تفشي المحاكمات الانتقائية وهدم منازل الأبرياء.

 

وما يترتب على ذلك من نتائج خطيرة:

 

انهيار اقتصادي واسع.

 

تفشي الفقر والبطالة.

 

تراجع التنمية البشرية والاجتماعية.

 

تآكل ثقة المواطن في الدولة ومؤسساتها.

 

3. منظومة تكنو-سلاح

 

ما يجري في “بورتكيزان” يُجسد واقعًا مرعبًا لحكم عسكري يستخدم التكنولوجيا والسلاح لبسط الهيمنة، لا لحماية الشعب. فالبرهان، كقائد للجيش، يمارس سلطاته وكأنه الحاكم المطلق:

 

تقييد الحريات: تُستخدم القوة لقمع الحريات الفردية والجماعية.

 

رقابة أمنية صارمة: تصاعد في التجسس والرقابة على المواطنين والإعلام.

 

تهميش المعارضة: إقصاء وتكميم الأصوات الحرة بالقمع العسكري.

 

الاستبداد المطلق: سلطة عسكرية لا تعرف المحاسبة أو التوازن المؤسسي.

 

هذه المنظومة تُفضي إلى:

 

تكريس الاستبداد.

 

تدهور حقوق الإنسان.

 

تقويض أي أمل في التحول الديمقراطي.

 

تهديد مباشر للاستقرار السياسي والاجتماعي.

 

ختامًا…

 

ما يُسمى بـ”حكومة التكنوقراط” التي يترأسها كامل إدريس ليست سوى واجهة زائفة لسلطة استبدادية كليبتوقراطية، تُدار بعقلية أمنية عسكرية تُعرف بـ”منظومة التكنو-سلاح”.

 

السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح:

كيف لحكومة كهذه، فاقدة للشرعية، منزوية في جيب العسكر، أن تقود السودان نحو مستقبل أفضل؟

 

والأهم من ذلك:

كيف يمكن للشعب السوداني أن يستعيد ثورته المسروقة ويضع حدًا لهذا الانحدار؟

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.