
لماذا تفشل النخبة السودانية في العمل المؤسسي؟ قراءة مختصرة في أحد جذور الأزمة الوطنية
✍️ بقلم: عبداللطيف عبدالله إسماعيل رئيس الحزب الديمقراطي الاجتماعي السوداني عضو الهيئة القيادية لتحالف “تأسيس”
- بعد واحدٍ وستين عامًا على ثورة أكتوبر 1964، التي مثّلت لحظة وعي وطني نادرة في التاريخ السوداني الحديث، ما تزال البلاد تعاني من نفس الأزمات البنيوية التي قادت إلى سقوط الديمقراطيات المتعاقبة وانفجار الحروب والانقلابات.
فما الذي يجعل النخبة السودانية — مدنية كانت أم عسكرية — عاجزة عن ترسيخ العمل المؤسسي، رغم التجارب المريرة والدروس المتكررة؟
الإرث الثقافي والسياسي المأزوم
منذ الاستقلال، ظلت النخبة السودانية أسيرة لعلاقات الولاء الشخصي والزعامة الأبوية، لا لروح المؤسسية والبرامج.
تحوّلت الأحزاب إلى “بيوت طاعة” للزعامات التاريخية، وتغلّبت “المجموعة” على “المؤسسة”، حتى أصبح الانقسام والتشظي هو القاعدة، والاستمرارية هي الاستثناء.
لقد ورثت هذه النخب من الموروث الاجتماعي القبلي والأبوي نزعة الهيمنة والوصاية، فتمّ تفريغ فكرة التنظيم والعمل الجماعي من مضمونها الديمقراطي.
الخوف من الشراكة وتقاسم السلطة
من أبرز عوائق المؤسسية في السودان هو الخوف المزمن من تقاسم السلطة داخل الأحزاب والتنظيمات.
يخشى القادة من أن تضعف المؤسسية نفوذهم، فيفضّلون السيطرة الفردية على الشفافية والمساءلة.
نتيجة لذلك، تبقى القرارات محصورة في دوائر ضيقة، وتُهمّش الكفاءات، ويُقمع النقد، فتتكرّر الأخطاء نفسها داخل كل دورة سياسية.
الأنظمة الشمولية وإضعاف المؤسسات
الحكم العسكري، الذي استأثر بمعظم سنوات ما بعد الاستقلال، لم يكتفِ بإضعاف الحياة الحزبية، بل عمل على تفكيك المؤسسات المدنية والنقابية، واستبدالها بشبكات الولاء السياسي.
هذا الإرث ترك أثرًا عميقًا في الثقافة السياسية السودانية، حيث أصبحت الكفاءة أقلّ أهمية من الولاء، والموقف أهمّ من الأداء.
وهكذا تمّ قتل روح المهنية والمبادرة لصالح ثقافة الخضوع والتبعية.
غياب النقد الذاتي والمراجعة
لا توجد في معظم الأحزاب والحركات آليات فاعلة للمحاسبة أو التقييم.
النقد يُعتبر تهديدًا، والمراجعة تُعدّ خيانة، والمنافسة تُفهم على أنها تمرد.
بهذا المنطق تستمر النخبة في إعادة إنتاج نفسها، وتتكرّر دورات الفشل من أكتوبر إلى أبريل إلى ديسمبر، دون استيعاب حقيقي للدروس.
لماذا لا نتعلم من أخطائنا؟
تتكرر التجارب دون تغيير لأن الخطاب السياسي السوداني ظل أسير العاطفة لا العقل، والشعارات لا البرامج.
تُعاد نفس الوجوه والأفكار بلا تجديد، ويُستبعد الشباب والكفاءات، في حين يغيب التفكير النقدي المستقل، وتغيب مراكز البحث الجاد القادرة على تحليل التجربة الوطنية بعمق ومسؤولية.
إنّ غياب العقل الجمعي هو أحد أبرز مظاهر الانهيار المؤسسي، لأنّ كل فاعل سياسي يعمل ضمن جماعته الصغيرة لا ضمن إطار وطني جامع.
الطريق نحو الخروج من الدائرة المغلقة
إنّ الخروج من الأزمة الوطنية يتطلب تحولاً جذريًا في وعي وسلوك النخبة، لا في الشعارات فقط.
ويبدأ ذلك من:
إعادة بناء المؤسسات السياسية والمدنية على أسس ديمقراطية واضحة.
تمكين الشباب والكفاءات الجديدة بعيدًا عن الوراثة والشللية.
ربط السلطة بالمحاسبة، وتغليب الكفاءة على الولاء.
فتح المجال أمام النقد والمراجعة كقيمة بناءة لا تهديد.
بناء مؤسسات فكرية مستقلة تراقب وتحلل وتقترح، لتكون حاضنة للعقل الوطني الجمعي.
خاتمة
> لن ينهض السودان إلا ببناء دولة المؤسسات لا دولة الأفراد.
ولن يتحقق التغيير الحقيقي إلا عندما تعلو المؤسسة على الزعيم، والفكرة على الشلة.
إنّها ليست دعوة للتنظير، بل نداء لإعادة تأسيس السياسة على قواعد جديدة تستند إلى القانون، والمواطنة، والعمل الجماعي.
فمن دون مؤسسات قوية، تظلّ كل الثورات مهددة بالارتداد إلى المربع الأول، مهما تغيّرت الشعارات والوجوه.
والتاريخ لن يرحم النخبة إن استمرت في الدوران داخل حلقتها المفرغة، بينما الوطن ينزف في انتظار عقدٍ جديد من الوعي والمسؤولية.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.