لماذا تعاقب حرب كرامة الجيش جنودها في الصفوف الامامية بهدم منازلهم؟ .. الكرامة التي تلعن أبنائها في وضح النهار.

✍️🏽 حسن اسحق

 

معروف تاريخيا ان الدولة السودانية التي نالت استقلالها من الاستعمار الانجليزي المصري قبل عقود من الزمن، لم تتبنى أي إيديولوجية وطنية للمكونات السودانية المتنوعة والمتعددة في الاعراق والأجناس والمناطق والألوان وحتى الأديان، بل ورثت النخبة الأقلية الحاكمة التي كانت تخدم المستعمر نفس سياسة الاقصاء والقهر والقتل والتهميش.

 

وسياسة الدولة المركزية المعلنة والخفية، تتمثل في تشريد الآخرين من ديارهم عنوة وإقتدار، وهي ايضا ماكرة في نفي هويات الآخرين بكل خبث وعدم اخلاق. وحروب السودان التي كانت، وما زال الجيش السوداني يلعب فيها الدور الأكبر، بالتواطؤ مع الطائفية الدينية واليسار الشيوعي الذي كان له دور كبيرا في تسلم جعفر نميري سلطة الحاكم من 1969 حتى 1985.

 

هنا يجب التركيز علي ضحايا حرب الكرامة السودانية التي تروج لها المؤسسة العسكرية الممثلة في الجيش السوداني، عبر اعلامها المضلل، حيث جندت كل السودانيين من عرب وافارقة في مواجهة وقتال قوات الدعم السريع، تحت شعارات الحفاظ علي وحدة البلاد من الانهيار والضياع والتقسيم، ومحاربة التدخل الخارجي من دول الجوار الافريقي، الممثلة في مسرحية عرب الشتات.

 

في حرب التضليل الإعلامي التي تخدم النخبة السياسية، دعمها السودانيين في تخوم مناطق العاصمة السودانية، من الحاج يوسف في محلية شرق النيل، ومناطق مايو جنوب الحزام، جنوب العاصمة الخرطوم، ومناطق أم درمانات، وكما هو معلوم، هذه المناطق المهمش أبنائها، هم وقود جهاز الشرطة والجيش، أو ما يطلق عليهم الجنود، وقد شاركوا في ما يسمى بحرب الكرامة التي لا تعنيهم في شيء، بل تعني النخبة المسيطرة علي السلطة وحدها، زج بهم لتنفيذ اجندتهم، حتى من أطلق عليهم سكان الكنابي، كانوا جزء من هذه الكرامة التي لعنتهم بطرد أسرهم في وضح النهار، من دون أي إعتبارات أخلاقية أو دينية في وقت ما زالت الحرب لم تضع أوزارها.

 

ماذا تعني الكرامة بالنسبة للجيش وضحايا تكسير المنازل، في نظر الجيش هؤلاء الناس مجرد أرقام ليس لهم أي قيمة في الوطن الذي يحاربون فيه بجانب الجيش كتفا بكتف، ما زال الجنود في الصفوف الامامية في الخرطوم وولاية نهر النيل والولاية الشمالية وبورتسودان، وشمال كردفان أو جنوبه، وما نوع الصدمة التي سوف يشعر بها هذا الجندي، أو وكيل العريف، الرقيب، الرقيب أول، أو حضرة الصول؟ سرا سوف يلعن اليوم الذي قاده للانضمام لهذا الجيش، لكن لا يستطيع الجهر بذلك، لمعرفة العواقب المترتبة علي ذلك.

 

إنها أسئلة مشروعة، ما زالت الحرب مستمرة، أين يذهب المساكين؟ دارفور ومناطق عديدة في اقليم كردفان، خارج سيطرة الجيش، بعد أن هيمنت عليها قوات الدعم السريع قبل أشهر؟، ألا تعلم القيادات العليا في الجيش التي تمثل حكومة الأمر الواقع، ان هدم منازل جنودهم الموجودين في الصفوف الامامية، جريمة اخلاقية في المقام الأول؟ الاسئلة المحرجة التي تخجل الغالبية في طرحها، لماذا الانسان السوداني الاسود دائما ضحية هدم المنازل والذبح والقتل، وتهم العمالة لقوات الدعم السريع؟.

 

رغم دخول الحرب في عامها الثالث، لم يتساءل أحد، أولئك الذين خططوا لتكوين جميع القوات الموالية للجيش والدولة، لماذا لا يتم وصفهم بصفة العمالة والإرتزاق؟، حتى اولئك الذين أسسوا قوات الدعم السريع، ما زالوا أحياء يرزقون، اليس من الاولي تقديمهم إلى المحاسبة؟، حسب منطقهم العنصري والجهوي، في حقيقة الأمر، أن القضية العنصرية في السودان هي أس البلاء الوطني منذ الاستقلال وحتى الوقت الراهن، حتى بعد خروج وإنسحاب الدعم السريع من عدد من كبير من ولايات الوسط، وأبو عاقلة كيكل كان العقل المدبر لإحتلال الجزيرة من الجيش، وقائد الدعم السريع أيضا، أما الآن، فهو وطني غيور، بعد أن ساهم في تشريد ملايين من السودانيين وقتلهم ونهب ممتلكاتهم في ولاية الجزيرة.

 

أما المجرمين الذين يستحقون القتل والذبح، من دون أي محاكمات حتي لو كانت صورية، هم سكان الكنابي الذين يشتبه بهم، إنهم تعاونوا مع الدعم السريع، السؤال الساذج، ماذا عن أبو عاقلة كيكل الذي كان قائدا ومرشدا، ومساهما في الدمار والخراب الذي حل ببعض مناطق ولاية الجزيرة؟ لهذا السبب جندت المؤسسة العسكرية إعلامها وأبواقها المأجورين، إن العدو الرئيسي، هم سكان الكنابي، لا لسبب، إلا أنهم من غرب البلاد، وحسب الرواية الرسمية يستحقون أن تسرق منازلهم، ومواشيهم وتحرق بيوتهم نهارا جهارا من قبل المستنفرين ودرع السودان، ولكتائب البراء الحق في ذبحهم إذا اقتضت الضرورة.

 

هذا هو الجانب القبيح العنصري من هذه الحرب التي أطلقوا عليها نفاقا وكذبا بالكرامة، ولكن المقصود بها كرامة النخبة الاقلية التي تريد ان تستمر في الحكم، وليس هناك عيب أن تستخدم هؤلاء السود المساكين في حربها الخبيثة، ان موتهم في الصفوف الامامية ليست قضية ذات اهمية، وفي نهاية الأمر، أسرهم سوف تشرد إلى المجهول، تحت زرائع السكن العشوائي. هذا هو نظام الفصل العنصري البغيض في السودان الذي يؤمن إيمانا جازما، بأنهم مجرد أرقام في وقت الشدة، عندما يحتاجون إليهم للإستمرار في سدة السلطة، قد يأتي يوم يدرك هؤلاء أنهم يحتاجون الي لاهوت تحرير حقيقي من وهم القومية الزائفة التي تضع أغلال العبودية في أعناقهم، وتستعبد عقولهم حتى لا يثوروا، ليس لأنفسهم بل من أجل ىجيالهم القادمة حتى ترضع من ثدي العبودية الوطنية، هذا الأمر ينطبق أيضا علي بعض المؤسسات التي تطلق على نفسها “مدنية” فهي تمارس الإقصاء والاستعباد، لا لشئ غير إنها ورثتها من سياسة الدولة التي تفرضها بقوة السلاح، والجناح المدني يفرضها بالقوة الناعمة في منظمات المجتمع المدني.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.