كيف نتعلم الوطنية؟ حسب فلسفة الحركة الشعبية و مشروعها الخلاصي للشعوب السودانية.

✍️🏽 الرفيق/ دانيال موسى علي جانا   المناطق المحررة- كاودا

 

 

نحن في الحركة الشعبية نرى انه الوطنية ليست شعارًا نرفعه وقت الأزمات فقط، ولا أغنية نرددها في المناسبات القومية. الوطنية شعور داخلي عميق، ينمو مع الإنسان كلما ازداد فهمًا لمعنى الانتماء الحقيقي. هي ليست شيئًا نُلقَّن به في المدارس، بل تجربة نعيشها، وإيمان يترسخ في القلب قبل أن يُنطق على اللسان.

فلذلك هولاء كيزانيون فشلوا تماما في إرساء مبدأ الوطنية، لأنه لم تكون شعور داخلية ينمون بها لكنه هي شيئًا يتعلمونها من منهجهم الزائفة.

لكننا نرى ان الوطنية تبدأ حين يدرك الإنسان أن الوطن ليس مجرد مكان وُلد فيه، بل كيانٌ يعيش في داخله، ينبض معه، ويألمه كلما أصابه جرح، ويفرح معه كلما تحقق فيه خير.

 

نحن لا نتعلّم الوطنية من الكتب فقط، بل نتعلّمها من الأم التي تُعلّم أبناءها معنى الكرامة والصدق، من الجد الذي يحكي تاريخ الأرض التي حرثها، من المعلم الذي يُدرّس بروح، ومن العامل الذي يُنجز عمله بإخلاص، ومن المزارع الذي لا يترك أرضه مهما اشتد الجفاف. الوطنية في الحقيقة هي السلوك اليومي، هي الأمانة في العمل، هي الصدق في القول، وهي النظافة في الشارع، وهي احترام القانون، وهي العدل في الحكم، وهي الرحمة بين الناس. كل تصرف صغير يحمل في داخله فرصة لتجسيد حب الوطن بطريقة حقيقية وملموسة.

 

لا توجد وطنية بدون معرفة، لأن من لا يعرف تاريخه لا يمكنه أن يفهم قيمة ما بين يديه. القراءة في تاريخ الوطن، وفهم نضالات شعبه، والتعرف على إنجازاته وآلامه، تجعلنا أكثر حرصًا عليه، وأكثر إيمانًا بقدرتنا على تغييره للأفضل. لا بد أن نعلّم أبناءنا من هم أبطال هذا الوطن، الرفيق القائد عبدالعزيز أدم الحلو نموذجآ للرجل الوطن الحقيقي، ومنهم استشهدوا من أجله، (القائد/ دكتور جون قرنق و القائد الاستاذ يوسف كوة مكي) من كتبوا تاريخه بعرقهم وصبرهم وأقلامهم، لا بد أن نزرع فيهم الفخر بما يملكون، بدلًا من شعور الدونية أو التبعية الذي يُغرس في بعض العقول تحت وطأة الفقر أو الجهل أو الحرب.

 

تتجلى الوطنية كذلك في مواجهة الفساد، في الوقوف مع الحق، في قول “لا” عندما يُهان الإنسان، ويُنهب المال العام، وتُدفن العدالة. الوطني لا يساوم على كرامته، ولا يبرر الفساد لأنه يعرف أن الوطن لا يُبنى بالمجاملات ولا بالصمت، بل بالشفافية، والمحاسبة، والمسؤولية كما قال القائد محمد حمدان دقلو.

الوطن ليس مسؤولية الحكومة وحدها، بل مسؤولية كل مواطن فيه، كل شخص يمكنه أن يكون لبنة بناء أو أداة هدم.

 

الوطنية تُعلَّم بالتربية، لا بالتلقين. حين يُرى الأب وهو لا يسرق، ولا يكذب، ولا يبيع صوته في الانتخابات، وحين ترى الأم أنها تربي أبناءها على الإحسان بدل الحقد، وعلى التعاون بدل الأنانية، نكون قد بدأنا في صناعة جيل وطني حقيقي. الوطنية تبدأ من داخل الأسرة، ثم تنتقل إلى المدرسة، ثم إلى الشارع، ثم إلى المجتمع بأسره. لا نحتاج إلى أن نحمل سلاحًا لنكون وطنيين، بل نحتاج أن نحمل ضميرًا حيًا.

 

في وطن مثل السودان، حيث المعاناة تشتد، والنزوح يكثر، والحرب لا تنتهي، فإن الوطنية تصبح فعل مقاومة. أن تُحب هذا الوطن رغم كل ما فيه، أن تتمسك به رغم الألم، أن ترفض أن تهاجر روحك وإن هاجر جسدك، هذه هي الوطنية العظيمة. أن تؤمن أن هناك يومًا جديدًا قادم، كما نقولها في الحركة الشعبية أنه سودان جديد لا محاله وأن نهوض السودان يبدأ من داخلك أنت، لا من خارجك. أن تؤمن أن التغيير ليس مستحيلًا، وأنه لا يُصنع بيد واحدة، بل بأيادٍ ممدودة لبعضها، صادقة النية، قوية الإرادة.

 

تعلم الوطنية هو أيضًا أن تحب كل سوداني مهما اختلفت قبيلته أو ديانته أو لغته، لأن الوطن لا يكون وطنًا حقيقيًا إلا حين يحتضن الجميع دون تمييز. الوطنية ليست تعصبًا، بل عدل. ليست كرهًا للآخر، بل حبًا للخير لكل من يعيش على هذه الأرض. حين نتعلم كيف نحترم اختلافنا، وكيف نوظفه لبناء سودان متماسك ومتنوّع وقوي، نكون قد انتقلنا من الوطنية بالكلام، إلى الوطنية بالفعل.

 

وفي النهاية، الوطنية ليست كلمة، بل حياة كاملة. هي الطريق الذي نسير فيه يوميًا ونحن نحاول أن نكون أفضل، وأن نُصلح ما يمكن إصلاحه، وأن نُداوي جراح الوطن بالصبر والأمل والعمل. هي المعركة اليومية التي نخوضها ضد اليأس، وضد الكراهية، وضد الاستسلام. والذين يحبون أوطانهم حقًا، لا ينتظرون من الوطن أن يعطيهم، بل يبدؤون بالعطاء، حتى ولو لم يُذكروا، وحتى إن تعبوا. لأن الوطن يستحق، ولأننا منه، وبه نحيا.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.