
كذبات البرهان التي أطول من الطريق: من 150 يومًا إلى 7 أيام بين الفاشر والدبّة
بقلم✍️🏽 : عمار نجم الدين
تواصل حكومة بورتسودان تقديم نفسها كحالةٍ سياسيةٍ تعيش خارج حدود الواقع. فقد خرجت هذه المرة بروايةٍ من نسج الخيال، تزعم فيها أن مئات المواطنين — بينهم نساء وأطفال وشيوخ — قطعوا المسافة بين الفاشر والدبّة سيرًا على الأقدام في سبعة أيام فقط.
لكن الجغرافيا لا تُكذب، والأرقام لا تُجامل أحدًا.
الخرائط الميدانية وشهادات الطريق تؤكد أن المسافة البرية العملية بين الفاشر والدبّة تتراوح بين 550 و750 كيلومترًا. وبحساب وتيرة سير لقافلة تضمّ أطفالًا وكبار سن (حوالي 8–15 كم يوميًّا)، فإن الرحلة تحتاج واقعيًّا إلى 45–90 يومًا، لا سبعة أيام كما تزعم بورتسودان، ولا مئة وخمسين يومًا كما يُبالغ البعض في الرد.
فالمشي لمسافة كهذه في ظروفٍ قاحلة وحرارةٍ تتجاوز 45 درجة مئوية، ووسط أراضٍ خالية من الماء والظل، يُعدّ استحالة بشرية لا يمكن تفسيرها إلا كدعاية سياسية. فحتى الجندي المدرّب لا يستطيع تجاوز 40 إلى 50 كيلومترًا يوميًا في أفضل الأحوال، فكيف بأسرٍ تضمّ الأطفال والشيوخ والنساء؟
الطريق بين الفاشر والدبّة يمرّ بمناطق رملية وجبلية قاسية، ويتضمّن عبور نهر النيل عبر المعدية، أي أنه ليس طريقًا بريًا متصلًا.
ورحلة كهذه — حتى لو جرت على دوابّ — تحتاج إلى تنظيم لوجستي كامل من ماء وغذاء وحماية، وهو ما لا يمكن أن يتوافر في ظروف الحرب والانهيار.
وفجأة، وبعد سبعة أيام فقط من تحرير الفاشر، ظهر عبد الفتاح البرهان في مدينة الدبّة وهو يزور ما وصفهم بـ”نازحي الفاشر”.
لكن بكل المقاييس الجغرافية والفيزيائية والمنطقية، لا يمكن لهؤلاء “النازحين” أن يكونوا قد قطعوا تلك المسافة في سبعة أيام — حتى لو ساروا نصفها على الأقدام والنصف الآخر عبر سيارات.
فالمسافة، والتضاريس، وحرارة الصحراء، وغياب الطرق والخدمات، تجعل هذه الرواية مستحيلة منطقًا وميدانًا.
إن ما رُوّج له كـ”ملحمة إنسانية” ليس إلا غطاءً دعائيًا لتبرير انسحاب الجيش من الفاشر، ومحاولة بائسة لصرف الأنظار عن الانهيار العسكري والمعنوي الذي ضرب منظومة بورتسودان.
فالأنظمة المهزومة دائمًا تبحث عن معجزاتٍ تصنعها في الخيال، لتغطي بها عجزها عن تحقيق أي انتصارٍ في الواقع.
الوقائع لا تكذب: لا توجد معجزة في الصحراء، ولا أسر قطعت مئات الكيلومترات في أسبوعٍ واحد.
إنها كذبة أطول من الطريق نفسه، ومحاولة للهروب من الحقيقة، لا للسير نحوها.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.