كتاب النزوح في جهنم الوطن .. سياسة المركز للاستمرار في الحكم علي دماء وجماجم الهامش السوداني.

✍️🏽 حسن اسحق 

 

الفترة التي تمر بها الدولة السودانية في السنوات الاخيرة، تحتاج الى عقول صادقة ومستنيرة تبحث بجدية للكشف عن الأسباب الحقيقية التي تفسر، لماذا الحروب في السودان تستمر؟، والنخبة التي ورثت الحكم من الاستعمار البريطاني، تتمادى في إشعال الحروب في مناطق الهامش السوداني الممثل في إقليم جنوب السودان سابقا، حاليا دولة جنوب السودان، وجنوب كردفان ’’ جبال النوبة ‘‘ والنيل الأزرق، إقليم الانقسنا، واخيرا الثورة التي اندلعت في إقليم دارفور ما بين 2002 – و 2003، وما زالت اثارها التدميرية والعنصرية ظاهرة للعيان حتى اليوم، ممثلة في معسكرات نزوح ولجوء في دول الجوار.

تاريخ السودان السياسي الماضي أو المعاصر يحتاج إلى قراءة شجاعة وحقيقية، للتطرق إلى أسباب اندلاع الحروب والتهميش السياسي والاجتماعي والاقتصادي، ولماذا هذه الحروب الممنهجة تستمر بطرق عديدة و مخطط لها في هذه المناطق المذكورة سابقا، التساؤل المطروح، هل دولة ما بعد الاستعمار، تري في سياساتها الاستراتيجية، أن الحروب والقمع والقتل والتهميش بكل آلياته، هو السبيل الوحيد للاستمرار في الحكم علي دماء وجماجم الهامش السوداني، ولماذا التعنت والرفض وفرض الرؤى الأحادية والإنفراد بالسلطة؟، بدل من جعل التنوع السوداني الثقافي والاثني والاجتماعي والديني والقبلي والجغرافي، أن يكون المظلة التي تضم كل هذا التنوع؟.

التطرق إلى قضايا التهميش بكل انواعه

المختلفة من النخبة السياسية والمثقفاتية، عندما يتم التطرق إلى قضايا التهميش السياسي والاجتماعي والاثني والجغرافي في السودان، يكون هناك تجاهل، وإنكار للواقع السوداني وازمته المتجددة والمتكررة منذ ما يزيد عن 7 عقود من تاريخ الدولة السودانية التي ورثت سياسات الاستعمار البريطاني، في القمع والتنكيل والتهميش، وتطبيق سياسة فرق تسد، حتى يسهل الاستمرار في الحكم عبر مجموعة قبلية ابدت ولاءها للاستعمار عندما كان يحكم السودان بالحديد والنار.

بدلا من تصحيح تلك السياسات العنصرية، بعد استقلت الدولة في 1956، انتهجت الدولة الجديدة، سياسة السيد المستعمر القديم، وما زالت تنتهج ذلك المنهج، الذي ترفضه الاغلبية التي اصبحت واعية بحقوقها السياسية والمطالبة بالمشاركة العادلة في السلطة والثروة، اضافة الى انهاء سياسة التهميش الممنهج من السلطة المركزية، وحان الوقت أن تدرك النخبة أن الزمن تغير، والوعي انتشر، رغم النزوح واللجوء، بات السودان في حاجة إلى عقول صادقة لمخاطبة جذور أزمته، بدل من اتهام المطالبين بحقوقهم بالعنصريين والجهويين والقبليين.

دعاة التمرد علي هيمنة السلطة المركزية

إن كتاب النزوح في جهنم الوطن – جبال النوبة الحريق المنسي للكاتب عاطف كمبال، يتطرق للرفيق الي دراسة في إفرازات ومآلات الصراع في إقليم جنوب كردفان، الذي صدر في 2025، أشار عاطف في التوطئة إلى التشوهات الكبيرة التي تظهر معالمها بصورة واضحة، علي تركيبة وبناء المجتمعات القبلية والعشائر التي تمثل قوى المجتمع في ريف كردفان الكبير الممتد باقاليمه الثلاثة، غرب، وشمال وجنوب كردفان، موضحا ان هذه التشوهات، لم تكن الا نتاجا طبيعيا للضغوطات التي مورست علي اغلب سكان تلك المناطق والجماعات العرقية التي شكلت قوى الاطراف او ما يطلق عليه ’’ الهامش ‘‘ وأصبح من المصطلحات المتداولة في القاموس السياسي السوداني، خاصة عند المثقفين والمفكرين والسياسيين، ودعاة رفض سياسة التهميش والتمرد علي هيمنة السلطة المركزية.

تطرق عاطف في كتابه، إلى عملية توظيف الحروب والصراعات المسلحة لخدمة المصالح السياسية والمشاريع الفكرية المشوهة التي تتبناها الحكومة، بهدف المحافظة علي تراتبية محددة في تركيبة المجتمع السوداني، حتي تنعم جماعات بعينها بثروات البلاد، موضحا أن الغالبية من السكان يغرقون في دوائر الفقر وحياة الشتات والوقوع في مصيدة الحروب بشرورها اللعينة، والسياسة المتعمدة لتدمير روابط الدم وصلات القرابة بين مجموعات كردفان، وكان هذا هو الهدف الذي تسعى اليه النخبة الحاكمة في عهد الرئيس السابق عمر البشير، واري ان هذه السياسة ما زالت تمارسها سلطة الامر الواقع في بورتسودان.

اضافة لذلك الكتاب يتكون من ستة أبواب، حيث يتناول كل باب قضية اساسية، وبينما يرتكز الكتاب علي نقاش ثلاثة محاور أساسية، الفكرة الأولى، تقوم علي تناول النزوح في ولاية جنوب كردفان، بصورة تاريخية، هي مصحوبة بتحليل روابط للاحداث، مع توضيح المثالب التي تنتج عنها داخل فضاء تلك المجتمعات، والفكرة الثانية، يقول الكاتب إنها محاولة، لتوثيق تجربة سياسات النزوح في السودان علي المستويين الشعبي والرسمي في مناطق جنوب كردفان، والفكرة الثالثة، تناول فيها عاطف الحرب وما نتج عنها من تأثيرات واضحة علي نمط وحياة الناس في مناطق متفرقة في جنوب كردفان.

قراءة للواقع السياسي وديمومة الصراعات والحروب والاقتتال

ختاما يتطرق عاطف الي تاريخ القمع والقهر الممثل في النزوح واللجوء الذي صاحب الحروب الممنهجة في السودان منذ عقود من استقلال السودان، علي الرغم الإشارة إلى جبال النوبة، إلا ان جهنم الحروب طال إقليم دارفور والنيل الأزرق ’’ الفونج ‘‘، هو كتاب يقرأ الواقع السياسي المزري الممثل في ديمومة الصراعات والحروب والاقتتال، ونتائجها الطبيعية نزوح ولجوء، وتهجير قسري ممنهج، ومحاولات للاحلال والابدال التي تنفذها سياسة المركز المتسلط الذي يرفض تقبل واقع التنوع والتعدد في السودان الجديد، وشكرا ايها الرفيق عاطف علي هذا المجهود الجبار، فعلا مشروع السودان الجديد سوف ينجح بسواعد الرفاق والرفيقات الذين يؤمنون بالتنوع والتعدد ورفض سياسة الظلم والتهميش الممنهج من ورثة دولة ما بعد الاستعمار، وبات معروفا في الفترة الاخيرة، بعد حرب 15 أبريل بدولة 56.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.