
كبرون: واجهة ترميزية تُستخدم لتجريف ما تبقى من كرامة المهمّشين في العاصمة القومية
✍️🏽 خالد كودي. بوسطن، 2/9/2025
إن تعيين الفريق حسن كبرون كيان وزيرًا للدفاع لا يمكن قراءته خارج سياق الترميز التضليلي الممنهج الذي دأبت عليه النخب المركزية في السودان منذ الاستقلال. فهو لا يمثل قطيعة مع الماضي، بل يُستعاد كوظيفة شكلية هدفها خداع المجتمعات التي ينتمي إليها، خاصة وأن الغالبية العظمى من جنود الجيش السوداني أنفسهم ينحدرون من ذات المناطق والإثنيات التي ينتمي لها كبرون، مثل جبال النوبة ودارفور والنيل الأزرق.
وهذه السياسة ليست جديدة؛ فقد اعتادت النخب المركزية أن تُعين أبناء الهامش في مواقع “قيادية” منزوعة الصلاحيات، وتستخدمهم كأدوات لتمرير سياسات لا تخدم مجتمعاتهم بل تقمعها، خاصة حين يتعلق الأمر بقوى الهامش التي تقود الآن مشروع السودان الجديد وتسعى إلى تفكيك الدولة القديمة.
وفي هذا الإطار، جاءت تصريحات كبرون الأخيرة كرئيس للجنة “فرض هيبة الدولة”، لتؤكد هذه الوظيفة القمعية التي أُوكلت إليه. إذ أعلن، في 1 أكتوبر 2025، استمرار حملات إزالة السكن العشوائي وضبط الوجود الأجنبي، في وقت كانت فيه منازل الفقراء من أبناء الهامش تُجرف بالجرافات في أحياء مثل مايو والحاج يوسف وأبو سعد والفتح والثورات الطرفية، دون سابق إنذار، ودون توفير مأوى أو خدمات إنسانية. لقد هُدمت المدارس، ودور العبادة، ومنازل آلاف الأسر التي هربت سابقًا من القصف الجوي في مناطق الحرب – ليُعاد الآن قصفهم اجتماعيًا بالجرافات لا بالطائرات.
ولو كانت الدولة صادقة في نواياها التخطيطية كما يدّعي الوزير، لما بدأت بالهدم قبل أن توفر البدائل، وفق أبسط قواعد التخطيط العمراني المعاصر. ففي كل تجارب إعادة التخطيط الحضري القائمة على العدالة الاجتماعية، يتم:
إجراء مسوحات عمرانية واجتماعية شاملة للمناطق المستهدفة.
تقديم بدائل سكنية مناسبة في مواقع متاحة سلفًا.
تمكين السكان من الانتقال الطوعي وفق مراحل مدروسة.
حماية الفئات الأكثر هشاشة، لا استخدامها كأكباش فداء
لكن ما حدث في السودان هو العكس تمامًا: هدم فوري، وترك الأسر في العراء، وتجاهل للخريف، وغياب تام لأي خطة إسكانية مسبقة. والوزير الذي جاء من الهامش لم يُعبّر عن أي انزعاج، بل كان واجهة القرار وأداته في تنفيذ هذا الفعل غير الإنساني وغير العلمي.
وعليه، فإن كبرون لا يُمثّل مشروعًا وطنيًا لإصلاح الجيش أو تحقيق العدالة، بل يُستخدم كدرع رمزي لتنفيذ سياسات النخب، التي لا تريد لأبناء الهامش أن يكونوا جزءًا من العاصمة، لا جغرافيًا ولا سياسيًا، خوفًا من تحوّلهم إلى قاعدة للتغيير القادم.
إن ما يجري اليوم، تحت مسمّى “فرض هيبة الدولة”، ليس سوى محاولة جديدة لإعادة تشكيل الخرطوم وفق خريطة إثنية واقتصادية مختارة، تُقصى منها الفئات الثائرة، ويُستعمل أبناءها كأدوات في قمع أنفسهم.
السؤال هنا لا يتعلق بكبرون فقط، بل بالدولة التي تستخدمه، وبالمشروع الذي يعمل من أجله: هل هو جيش الوطن، أم حارس الخرطوم القديمة؟ هل هو منقذ البلاد، أم منفذ سياسات التجريف الطبقي–الإثني والجهوي باسم القانون وفرض هيبة الدولة؟
الإجابة واضحة في صمته أمام الجرافات.
النضال مستمر والنصر اكيد.
(أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.